فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 1045

وقال الجصاص:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} 0

قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ جُرَيْجٍ:"نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه وَمَنْ قَاتَلَ مَعَهُ أَهْلَ الرِّدَّةِ". وَقَالَ السُّدِّيُّ:"هِيَ فِي الْأَنْصَارِ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ:"فِي أَهْلِ الْيَمَنِ". وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِيَاضٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: {لَمَّا نَزَلَتْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} أَوْمَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ مَعَهُ إلَى أَبِي مُوسَى , فَقَالَ هُمْ قَوْمُ هَذَا. فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رضي الله عنهم وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنْ الْعَرَبِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَأَنَّهُمْ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتَهُ فَهُوَ وَلِيُّ اللَّهِ. وَلَمْ يُقَاتِلْ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ ; وَلَا يَتَهَيَّأُ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ الْآيَةَ فِي غَيْرِ الْمُرْتَدِّينَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْعَرَبِ وَلَا فِي غَيْرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَاتِ بِقَوْمٍ يُقَاتِلُونَ الْمُرْتَدِّينَ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ غَيْرِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَ أَبِي بَكْرٍ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي دَلَالَتِهِ عَلَى صِحَّةِ إمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا} لِأَنَّهُ كَانَ الدَّاعِي لَهُمْ إلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ , وَأَخْبَرَ تَعَالَى بِوُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هُوَ الَّذِي دَعَاهُمْ. قِيلَ لَهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا} فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُ أَبَدًا وَلَا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ عَدُوًّا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ هُوَ الَّذِي دَعَاهُمْ. قِيلَ لَهُ: إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِمَامَةُ عُمَرَ ثَابِتَةٌ بِدَلِيلِ الْآيَةِ , وَإِذَا صَحَّتْ إمَامَتُهُ صَحَّتْ إمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَخْلِفُ لَهُ. . فَإِنْ قِيلَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ هُوَ الَّذِي دَعَاهُمْ إلَى مُحَارَبَةِ مَنْ حَارَبَ. قِيلَ لَهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} وَعَلِيٌّ رضي الله عنه إنَّمَا قَاتَلَ أَهْلَ الْبَغْيِ وَحَارَبَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ , وَلَمْ يُحَارِبْ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ , فَكَانَتْ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى صِحَّةِ إمَامَتِهِ.

2.وقال تعالى:

{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (217) سورة البقرة

وقال القرطبي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت