إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ: يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ الصَّحِيحِ , أَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَالَ: يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ ; لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُشْرِفٌ عَلَى التَّلَفِ ; لِأَنَّهُ يُقْتَلُ فَأَشْبَهَ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ. وَقَدْ أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ اسْتِيلَادَ الْمُرْتَدِّ وَطَلَاقَهُ وَتَسْلِيمَهُ الشُّفْعَةَ صَحِيحٌ وَنَافِذٌ ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَصَحَّحَهُ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ بِرِدَّتِهِ لِزَوَالِ الْعِصْمَةِ بِرِدَّتِهِ فَمَا لَهُ أَوْلَى , وَلِمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لِوَفْدِ بِزَاخَّةِ وَغَطَفَانَ: نَغْنَمُ مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ وَتَرُدُّونَ إلَيْنَا مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا ; وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَلَكُوا دَمَهُ بِالرِّدَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكُوا مَالَهُ. وَعَلَى هَذَا فَلَا تَصَرُّفَ لَهُ أَصْلًا لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ. وَمَا سَبَقَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَدِّ الذَّكَرِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَدَّةِ الْأُنْثَى عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَزُولُ مِلْكُ الْمُرْتَدَّةِ الْأُنْثَى عَنْ أَمْوَالِهَا بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ فَتَجُوزُ تَصَرُّفَاتُهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُقْتَلُ فَلَمْ تَكُنْ رِدَّتُهَا سَبَبًا لِزَوَالِ مِلْكِهَا عَنْ أَمْوَالِهَا.
44 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ حِيلَ بَيْنَهُمَا فَلَا يَقْرَبُهَا بِخَلْوَةٍ وَلَا جِمَاعٍ وَلَا نَحْوِهِمَا. ثُمَّ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً , دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُنَافِي النِّكَاحَ وَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا عَاجِلًا لَا طَلَاقًا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَضَاءٍ. ثُمَّ إنْ كَانَتْ الرِّدَّةُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَكَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الزَّوْجَ فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى أَوْ الْمُتْعَةُ , وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ فَلَا شَيْءَ لَهَا. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرْتَدُّ الزَّوْجَ أَوْ الزَّوْجَةَ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ كَانَ ذَلِكَ طَلْقَةً بَائِنَةً , فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ تَرْجِعْ لَهُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ , مَا لَمْ تَقْصِدْ الْمَرْأَةُ بِرِدَّتِهَا فَسْخَ النِّكَاحِ , فَلَا يَنْفَسِخُ ; مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا. وَقِيلَ: إنَّ الرِّدَّةَ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ فَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَمْضِيَ عِدَّةُ الزَّوْجَةِ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ , فَإِذَا انْقَضَتْ بَانَتْ مِنْهُ , وَبَيْنُونَتُهَا مِنْهُ فَسْخٌ لَا طَلَاقٌ , وَإِنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إذَا ارْتَدَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ فَوْرًا وَتَنَصَّفَ مَهْرُهَا إنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُرْتَدَّ , وَسَقَطَ مَهْرُهَا إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُرْتَدَّةَ. وَلَوْ كَانَتْ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَفِي رِوَايَةٍ تُنَجَّزُ الْفُرْقَةُ. وَفِي أُخْرَى تَتَوَقَّفُ الْفُرْقَةُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
حُكْمُ زَوَاجِ الْمُرْتَدِّ بَعْدَ الرِّدَّةِ:
45 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ تَزَوَّجَ فَلَا يَصِحُّ زَوَاجُهُ ; لِأَنَّهُ لَا مِلَّةَ لَهُ , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مُسْلِمَةً , وَلَا كَافِرَةً , وَلَا مُرْتَدَّةً.
مَصِيرُ أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّ: