الأصم, عن عمه يزيد بن الأصم, عن أبي هريرة, قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم, فقال: أرأيت قوله تعالى: {جنة عرضها السموات والأرض} فأين النار؟ قال: «أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء, فأين النهار؟» قال: حيث شاء الله, قال «وكذلك النار تكون حيث شاء الله عز وجل» وهذا يحتمل معنيين (أحدهما) أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان, وإن كنا لا نعلمه, وكذلك النار تكون حيث يشاء الله عز وجل, وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار. (الثاني) أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب, فإن الليل يكون من الجانب الاَخر, فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها, كما قال الله عز وجل {كعرض السماء والأرض} والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار, والله أعلم.
قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (21) سورة الحديد
وفي الظلال:
(سابقوا إلى مغفرة من ربكم , وجنة عرضها كعرض السماء والأرض , أعدت للذين آمنوا بالله ورسله. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله ذو الفضل العظيم) . .
فليس السباق إلى إحراز اللهو واللعب والتفاخر والتكاثر بسباق يليق بمن شبوا عن الطوق , وتركوا عالم اللهو اللعب للأطفال والصغار! إنما السباق إلى ذلك الأفق , وإلى ذلك الهدف , وإلى ذلك الملك العريض: (جنة عرضها كعرض السماء والأرض) . .
وربما كان بعضهم في الزمن الخالي - قبل أن تكشف بعض الحقائق عن سعة هذا الكون - يميل إلى حمل مثل هذه الآية على المجاز , وكذلك حمل بعض الأحاديث النبوية. كذلك الحديث الذي أسلفنا عن أصحاب الغرف التي يتراءاها سكان الجنة كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب. . فأما اليوم ومراصد البشر الصغيرة تكشف عن الأبعاد الكونية الهائلة التي ليس لها حدود , فإن الحديث عن عرض الجنة , والحديث عن تراءي الغرف من بعيد , يقع قطعا موقع الحقيقة القريبة البسيطة المشهودة , ولا يحتاج إلى حمله على المجاز إطلاقا! فإن ما بين الأرض والشمس مثلا لا يبلغ أن يكون شيئا في أبعاد الكون يقاس!
وذلك الملك العريض في الجنة يبلغه كل من أراد , ويسابق إليه كل من يشاء. وعربونه: الإيمان بالله ورسله. (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) . . (والله ذو الفضل العظيم) . . وفضل الله غير محجوز ولا محجور.