عشر منافقًا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم» ولهذا كان حذيفة يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء قد أطلعه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره, والله أعلم, وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة, ثم روي عن علي بن عبد العزيز عن الزبير بن بكار أنه قال: هم معتب بن قشيرة ووديعة بن ثابت وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف والحارث بن يزيد الطائي وأوس بن قيظي والحارث بن سويد وسعد بن زرارة وقيس بن فهد وسويد بن داعس من بني الحبلى وقيس بن عمرو بن سهل وزيد بن اللصيت وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام.
وقوله تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} أي وما للرسول صلى الله عليه وسلم عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن سعادته, ولو تمت عليه السعادة لهداهم الله لما جاء به كما قال صلى الله عليه وسلم للأنصار: «ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي, وعالة فأغناكم الله بي» كلما قال شيئًا قالوا الله ورسوله أمنّ. وهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب, كقوله: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله} الاَية. وقوله عليه السلام «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله» ثم دعاهم الله تبارك وتعالى إلى التوبة فقال {فإن يتوبوا يك خيرًا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا والاَخرة} أي وإن يستمروا على طريقهم يعذبهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا أي بالقتل والهم والغم, والاَخرة أي بالعذاب والنكال والهوان والصغار {وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} أي وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم لا يحصل لهم خيرًا ولا يدفع عنهم شرًا.
لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاين المنافقين كثيرًا , وأغضى عنهم كثيرًا , وصفح عنهم كثيرًا. . فها هو ذا يبلغ الحلم غايته , وتبلغ السماحة أجلها , ويأمره ربه أن يبدأ معهم خطة جديدة , ويلحقهم بالكافرين في النص , ويكلفه جهاد هؤلاء وهؤلاء جهادًاعنيفا غليظا لا رحمة فيه ولا هوادة.
إن للين مواضعه وللشدة مواضعها. فإذا انتهى أمد اللين فلتكن الشدة ; وإذا انقضى عهد المصابرة فليكن الحسم القاطع. . وللحركة مقتضياتها , وللمنهج مراحله. واللين في بعض الأحيان قد يؤذي , والمطاولة قد تضر.
وقد اختلف في الجهاد والغلظة على المنافقين. أتكون بالسيف كما روي عن علي - كرم اللّه وجهه - واختاره ابن جرير - رحمه اللّه - أم تكون في المعاملة والمواجهة وكشف خبيئاتهم للأنظار كما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - والذي وقع - كما سيجيء - أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل المنافقين. .
(يحلفون باللّه ما قالوا. ولقد قالوا كلمة الكفر , وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا) . .