جَلْدَةً ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ ارْتَفَعَتْ بِإِسْلَامِهِ وَبَقِيَ جَلْدُهُ. وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: مَنْ شَتَمَ نَبِيًّا مُجْمَعًا عَلَى نُبُوَّتِهِ بِقُرْآنٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ; لِأَنَّ كُفْرَهُ يُشْبِهُ كُفْرَ الزِّنْدِيقِ , وَيُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا إنْ قُتِلَ بَعْدَ تَوْبَتِهِ لِأَنَّ قَتْلَهُ حِينَئِذٍ لِأَجْلِ ازْدِرَائِهِ لَا لِأَجْلِ كُفْرِهِ.
38 -مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ وَتَوْبَتُهُ قَالَ الْأَحْنَافُ وَالشَّافِعِيَّةُ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرُ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ , فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ} . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: تَوْبَةُ مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ لَا تُقْبَلُ. وَحُجَّتُهُمْ قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الرِّدَّةِ , دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ الْعَقِيدَةِ , وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ.
تَوْبَةُ السَّاحِرِ:
39 -قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: بِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ السَّاحِرِ , وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ (وَانْظُرْ مُصْطَلَحَيْ: تَوْبَةٌ , وَسِحْرٌ) .
قَتْلُ الْمُرْتَدِّ:
40 -إذَا ارْتَدَّ مُسْلِمٌ , وَكَانَ مُسْتَوْفِيًا لِشَرَائِطِ الرِّدَّةِ , أُهْدِرَ دَمُهُ , وَقَتْلُهُ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ. فَلَوْ قُتِلَ قَبْلَ الِاسْتِتَابَةِ فَقَاتِلُهُ مُسِيءٌ , وَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ غَيْرَ التَّعْزِيرُ , إلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولًا لِلْكُفَّارِ فَلَا يُقْتَلُ ; لِأَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْتُلْ رُسُلَ مُسَيْلِمَةَ} . فَإِذَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ , فَلَا يُغَسَّلُ , وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , وَلَا يُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَدَلِيلُ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ} وَحَدِيثُ: {لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسِ بِالنَّفْسِ , وَالثَّيِّبِ الزَّانِي وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ} . أَمَّا الْمُرْتَدَّةُ فَهِيَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ كَالْمُرْتَدِّ , لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ} , وَلِمَا رَوَى جَابِرٌ {أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ رُومَانَ ارْتَدَّتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ فَإِنْ تَابَتْ وَإِلَّا قُتِلَتْ} . وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ , بَلْ تُحْبَسُ حَتَّى تَتُوبَ أَوْ تَمُوتَ , {لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَتْلِ الْكَافِرَةِ الَّتِي لَا تُقَاتِلُ أَوْ تُحَرِّضُ عَلَى الْقِتَالِ} , فَتُقَاسُ الْمُرْتَدَّةُ عَلَيْهِمَا.
أَثَرُ الرِّدَّةِ عَلَى مَالِ الْمُرْتَدِّ وَتَصَرُّفَاتِهِ: دُيُونُ الْمُرْتَدِّ:
41 -ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ اُبْتُدِئَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِتَسْدِيدِ دُيُونِهِ. لَكِنْ هَلْ يُسَدَّدُ مِنْ كَسْبِهِ فِي الْإِسْلَامِ؟ أَمْ مِنْ كَسْبِهِ فِي الرِّدَّةِ؟ أَمْ مِنْهُمَا مَعًا؟ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مَصِيرِ أَمْوَالِ الْمُرْتَدِّ وَتَصَرُّفَاتِهِ , وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ السَّرَخْسِيُّ: اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي قَضَاءِ دُيُونِهِ , فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه أَنْ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ كَسْبِ