(وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم , ثم لا يكونوا أمثالكم) . .
وإنها لنذارة رهيبة لمن ذاق حلاوة الإيمان , وأحس بكرامته على الله , وبمقامه في هذا الكون وهو يحمل هذا السر الإلهي العظيم. ويمشي في الإرض بسلطان الله في قلبه ; ونور الله في كيانه ; ويذهب ويجيء وعليه شارة مولاه. .
وما يطيق الحياة وما يطعمها إنسان عرف حقيقة الإيمان وعاش بها ثم تسلب منه , ويطرد من الكنف ,وتوصد دونه الأبواب. لا بل إن الحياة لتغدو جحيما لا يطاق عند من يتصل بربه ثم يطبق دونه الحجاب.
إن الإيمان هبة ضخمة , لا يعدلها في هذا الوجود شيء ; والحياة رخيصة رخيصة , والمال زهيد زهيد , حين يوضع الإيمان في كفة , ويوضع في الكفة الأخرى كل ما عداه. .
ومن ثم كان هذا الإنذار أهول ما يواجهه المؤمن وهو يتلقاه من الله. .
قال تعالى: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (16) سورة الفتح
وفي الظلال:
(قل للمخلفين من الأعراب: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد , تقاتلونهم أو يسلمون , فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا , وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) .
وتختلف الأقوال كذلك في من هم القوم أولو البأس الشديد. وهل كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم على عهود خلفائه. والأقرب أن يكون ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليمحص الله إيمان هؤلاء الأعراب من حول المدينة.
والمهم أن نلحظ طريقة التربية القرآنية , وطريقة علاج النفوس والقلوب. بالتوجيهات القرآنية , والابتلاءات الواقعية. وهذا كله ظاهر في كشف نفوسهم لهم وللمؤمنين , وفي توجيههم إلى الحقائق والقيم وقواعد السلوك الإيماني القويم.
ولما كان المفهوم من ذلك الابتلاء فرض الخروج على الجميع , فقد بين الله أصحاب الأعذار الحقيقية الذين يحق لهم التخلف عن الجهاد , بلا حرج ولا عقاب:
ليس على الأعمى حرج , ولا على الأعرج حرج , ولا على المريض حرج. ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار , ومن يتول يعذبه عذابا أليما. .