فهرس الكتاب

الصفحة 936 من 1045

وبمثل هذه التوجيهات المكررة في القرآن , المؤكدة بشتى أساليب التوكيد , استقرت هذه الحقيقة في أخلاد المسلمين , على نحو بديع , هادئ , عميق , مستنير.

عرفوا أن الله هو الفاعل - وحده - وعرفوا كذلك أنهم مأمورون من قبل الله باتخاذ الوسائل والأسباب , وبذل الجهد , والوفاء بالتكاليف. . فاستيقنوا الحقيقة , وأطاعوا الأمر , في توازن شعوري وحركي عجيب!

ولكن هذا إنما جاء مع الزمن , ومع الأحداث , ومع التربية بالأحداث , والتربية بالتعقيب على الأحداث. . كهذا التعقيب , ونظائره الكثيرة , في هذه السورة. .

وفي هذه الآيات يستحضر مشهد بدر والرسول صلى الله عليه وسلم يعدهم الملائكة مددا من عند الله ; إذا هم استمسكوا بالصبر والتقوى والثبات في المعركة - حين يطلع المشركون عليهم من وجههم هذا. . ثم يخبرهم بحقيقة المصدر الفاعل - من وراء نزول الملائكة - وهو الله. الذي تتعلق الأمور كلها بإرادته , ويتحقق النصر بفعله وإذنه.

(الله العزيز الحكيم) . .

فهو (العزيز) القوي ذو السلطان القادر على تحقيق النصر. وهو (الحكيم) الذي يجري قدره وفق حكمته , والذي يحقق هذا النصر ليحقق من ورائه حكمة. .

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَاسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (110) سورة يوسف

وفي الظلال:

إنها صورة رهيبة , ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل , وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود. وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل , وتكر الأعوام والباطل في قوته , وكثرة أهله , والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة.

إنها ساعات حرجة , والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر. والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض. فتهجس في خواطرهم الهواجس. . تراهم كذبوا ? ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا ?

وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر. وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله ?. . .) ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ , ومن تصور الهول الكامن في هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت