فهرس الكتاب

الصفحة 372 من 1045

فَأَمَّا أَنْ تَدْفَعَ عَنْ مَالِك فَلَا بَاسَ". وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ:"لَا بَاسَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِنْ مَالِهِ مَا يَصُونُ بِهِ عِرْضَهُ". وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:"اجْعَلْ مَالَك جُنَّةً دُونَ دِينِك وَلَا تَجْعَلْ دِينَك جُنَّةً دُونَ مَالِك". وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ:"لَمْ نَجِدْ زَمَنَ زِيَادٍ شَيْئًا أَنْفَعَ لَنَا مِنْ الرُّشَا". فَهَذَا الَّذِي رَخَّصَ فِيهِ السَّلَفُ إنَّمَا هُوَ فِي دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يُرِيدُ ظُلْمَهُ أَوْ انْتِهَاكَ عِرْضِهِ ; وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَسَمَ غَنَائِمَ خَيْبَرَ وَأَعْطَى تِلْكَ الْعَطَايَا الْجَزِيلَةَ , أَعْطَى الْعَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيَّ شَيْئًا , فَسَخِطَهُ فَقَالَ شِعْرًا , فَقَالَ النَّبِيُّ: اقْطَعُوا عَنَّا لِسَانَهُ فَزَادُوهُ حَتَّى رَضِيَ} . وَأَمَّا الْهَدَايَا لِلْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ , فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ كَرِهَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُهْدِي خَصْمٌ وَلَا حُكُومَةٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ ذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ {فِي قِصَّةِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الصَّدَقَةِ , فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي , فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا بَالُ أَقْوَامٍ نَسْتَعْمِلُهُمْ عَلَى مَا وَلَّانَا اللَّهُ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ فَنَظَرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا} . وَمَا رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: {هَدَايَا الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ وَهَدَايَا الْأُمَرَاءِ سُحْتٌ} . وَكَرِهَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ , فَقِيلَ لَهُ: {إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا} , فَقَالَ: كَانَتْ حِينَئِذٍ هَدِيَّةً وَهِيَ الْيَوْمَ سُحْتٌ. وَلَمْ يَكْرَهْ مُحَمَّدٌ لِلْقَاضِي قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ ; فَكَأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ مِنْهَا مَا أُهْدِيَ لَهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ قَاضٍ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُهْدَ لَهُ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إنَّمَا أُهْدِيَ لَهُ لِأَنَّهُ عَامِلٌ , وَلَوْلَا أَنَّهُ عَامِلٌ لَمْ يُهْدَ لَهُ , وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ ; وَأَمَّا مَنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُهْدِهِ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ , فَجَائِزٌ لَهُ قَبُولُهُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَقْبَلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بِنْتَ مَلِكِ الرُّومِ أَهْدَتْ لِأُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عَلِيٍّ امْرَأَةِ عُمَرَ , فَرَدَّهَا عُمَرُ وَمَنَعَ قَبُولَهَا."

وقال ابن العربي:

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ}

اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكَافِرُونَ وَالظَّالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ كُلُّهُ لِلْيَهُودِ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكَافِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ , وَالظَّالِمُونَ لِلْيَهُودِ , وَالْفَاسِقُونَ لِلنَّصَارَى , وَبِهِ أَقُولُ ; لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَاتِ , وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ , وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ , وَابْنِ شُبْرُمَةَ. قَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ , وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ. وَهَذَا يَخْتَلِفُ إنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ; فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ , وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبِينَ.

وفي السياسة الشرعية:

اخْتِيَارُ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت