وهذا هو العزاء العميق. وهذا هو مفرق الطريق. .
وكان الله عليما حكيمًا. .
يعلم كيف تعتلج المشاعر في القلوب. ويصف للنفس ما يطب لها من الألم والقرح. .
ليست العبرة بالكثرة
-قال تعالى:
{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (249) سورة البقرة
وفي الظلال:
(فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر. فمن شرب منه فليس مني , ومن لم يطعمه فإنه مني - إلا من اغترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا قليلا منهم) . .
هنا يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل. . إنه مقدم على معركة ; ومعه جيش من أمة مغلوبة , عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة. وهو يواجه جيش أمة غالبة فلا بد إذن من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة. هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة. الإرداة التي تضبط الشهوات والنزوات , وتصمد للحرمان والمشاق , وتستعلي على الضرورات والحاجات , وتؤثر الطاعة وتحتمل تكاليفها , فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء. . فلا بد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه , وصموده وصبره: صموده أولا للرغبات والشهوات , وصبره ثانيا على الحرمان والمتاعب. . واختار هذه التجربة وهم كما تقول الروايات عطاش. ليعلم من يصبر معه ممن ينقلب على عقبيه , ويؤثر العافية. . وصحت فراسته:
(فشربوا منه إلا قليلا منهم) . .
شربوا وارتووا. فقد كان أباح لهم أن يغترف منهم من يريد غرفة بيده , تبل الظمأ ولكنها لا تشي بالرغبة في التخلف! وانفصلوا عنه بمجرد استسلامهم ونكوصهم. انفصلوا عنه لأنهم لا يصلحون للمهمة الملقاة على عاتقه وعاتقهم. وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف , لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة. والجيوش ليست بالعدد الضخم , ولكن بالقلب الصامد , والإرادة الجازمة , والإيمان الثابت المستقيم على الطريق.