, وَانْقِيَادِ الْجُيُوشِ لَهُ يَكُونُ لِعَسْكَرِهِ حُكْمُ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إذَا أَصَابَ الرَّجُلُ حَدًّا وَهُوَ مُحَاصِرٌ لِلْعَدُوِّ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَقَالُوا: وَلَا يَمْنَعُنَا الْخَوْفُ عَلَيْهِ مِنْ اللُّحُوقِ بِالْمُشْرِكِينَ أَنْ نُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ. وَلَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ تَوَقِّيًا مِنْ أَنْ يَغْضَبَ مَا أَقَمْنَا الْحَدَّ أَبَدًا , لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيُعَطَّلَ حُكْمُ اللَّهِ , ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَقَامَ الْحُدُودَ بِالْمَدِينَةِ وَالشِّرْكُ قَرِيبٌ مِنْهَا , وَفِيهَا مُشْرِكُونَ مُوَادَعُونَ. وَضَرَبَ الشَّارِبَ بِحُنَيْنٍ. وَالشِّرْكُ قَرِيبٌ مِنْهَا.
7 -اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي انْقِطَاعِ عِصْمَةِ الزَّوْجِيَّةِ بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ. فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ , فَإِنْ أَسْلَمَ زَوْجُ كِتَابِيَّةٍ , وَهَاجَرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ , وَبَقِيَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا , لِأَنَّ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ فَالِاسْتِمْرَارُ أَوْلَى , سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ , أَوْ بَعْدَهُ. وَإِنْ أَسْلَمْت كِتَابِيَّةٌ تَحْتَ كِتَابِيٍّ , أَوْ غَيْرِهِ , أَوْ أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرِ الْكِتَابِيِّينَ , قَبْلَ الدُّخُولِ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ , لقوله تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ , وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى انْتِهَاءِ الْعِدَّةِ , فَإِنْ أَسْلَمَ الْآخَرُ فِي الْعِدَّةِ بَقِيَ نِكَاحُهُمَا , وَإِلَّا تَبَيَّنَّا فَسْخَهُ مُنْذُ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ , لِأَنَّ سَبَبَ الْفُرْقَةِ اخْتِلَافُ الدِّينِ لَا اخْتِلَافُ الدَّارِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ قَالَ: {كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْلِمُ الرَّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ , وَالْمَرْأَةُ قَبْلَهُ , فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ , وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا} , وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَثَرِ دَارَ حَرْبٍ , وَلَا دَارَ إسْلَامٍ , فَسَبَبُ الْفُرْقَةِ إذًا اخْتِلَافُ الدِّينِ. فَكَوْنُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُوجِبُ فُرْقَةً. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ تَحْصُلُ بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ , فَإِنْ خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا , وَتَرَكَ الْآخَرَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا , لِأَنَّهُ بِاخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ يَخْرُجُ الْمِلْكُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ , لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ عَادَةً , فَلَمْ يَكُنْ فِي بَقَائِهِ فَائِدَةٌ. وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (اخْتِلَافُ الدَّارِ) .
قِسْمَةُ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ:
8 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ قَسْمِ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ , وَالشَّافِعِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ قِسْمَتُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ , وَتَبَايُعُهَا فِيهَا , وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى أَبُو إسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ قَالَ: قُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: هَلْ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا مِنْ الْغَنَائِمِ بِالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ , إنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَتَّبِعُونَ غَنَائِمَهُمْ , وَيَقْسِمُونَهَا فِي أَرْضِ عَدُوِّهِمْ , وَلَمْ يَغْفُلْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ غَزَاةٍ قَطُّ أَصَابَ فِيهَا غُنَيْمَةً إلَّا خَمَّسَهَا وَقَسَمَهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْفُلَ , مِنْ ذَلِكَ غُزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ , وَهَوَازِنَ , وَخَيْبَرَ , وَلِأَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِيهَا بِالْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ فَصَحَّتْ قِسْمَتُهُ , وَلِأَنَّ قِسْمَةَ أَمْوَالِهِمْ فِي دَارِهِمْ أَنْكَى لَهُمْ , وَأَطْيَبُ لِقُلُوبِ الْمُجَاهِدِينَ , وَأَحْفَظُ لِلْغَنِيمَةِ , وَأَرْفَقُ بِهِمْ فِي التَّصَرُّفِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: الْقِسْمَةُ نَوْعَانِ: 1 - قِسْمَةُ حَمْلٍ وَنَقْلٍ. 2 - وَقِسْمَةُ مِلْكٍ. أَمَّا قِسْمَةُ الْحَمْلِ , فَهِيَ إنْ عَزَّتْ الدَّوَابُّ , وَلَمْ يَجِدْ الْإِمَامُ حَمُولَةً يُفَرِّقُ الْغَنَائِمَ عَلَى الْغُزَاةِ فَيَحْمِلُ كُلُّ رَجُلٍ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ , ثُمَّ يَسْتَرِدُّهَا مِنْهُمْ , فَيَقْسِمُهَا