قِسْمَةَ مِلْكٍ. أَمَّا قِسْمَةُ الْمِلْكِ فَلَا تَجُوزُ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى يُخْرِجُوهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ , وَيُحْرِزُوهَا , وَقَالُوا: إنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْأَخْذِ , وَيَتَأَكَّدُ بِالْإِحْرَازِ , وَيَتَمَكَّنُ بِالْقِسْمَةِ كَحَقِّ الشَّفِيعِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِالْبَيْعِ , وَيَتَأَكَّدُ بِالطَّلَبِ , وَيَتِمُّ الْمِلْكُ بِالْأَخْذِ , وَمَا دَامَ الْحَقُّ ضَعِيفًا لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ لِأَنَّهُ دُونَ الْمِلْكِ الضَّعِيفِ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ , وَلِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْقَهْرُ , وَقَبْلَ الْإِحْرَازِ هُمْ قَاهِرُونَ يَدًا مَقْهُورُونَ دَارًا , وَالثَّابِتُ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ يَكُونُ ضَعِيفًا. 9 - وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ , وَالْجُمْهُورِ أَحْكَامٌ. مِنْهَا: أَنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُورَثُ مِنْ الْغَنِيمَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ يُورَثُ. وَمِنْهَا: إذَا لَحِقَ الْجَيْشَ أَحَدٌ بَعْدَ الْحِيَازَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يُشَارِكُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُشَارِكُهُمْ إذَا لَحِقَ قَبْلَ الْحِيَازَةِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِذَا أَتْلَفَ أَحَدُ الْغَانِمِينَ شَيْئًا مِنْ الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَضْمَنُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَلَا يَضْمَنُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
اسْتِيلَاءُ الْكُفَّارِ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ , وَأَثَرُ الدَّارِ فِي ذَلِكَ:
10 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَمَلُّكِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا , فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَهَا وَإِنْ أَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ , لِأَنَّهُ مَالٌ مَعْصُومٌ طَرَأَتْ عَلَيْهِ يَدٌ عَادِيَةٌ , فَلَمْ يَمْلِكْ بِهَا كَالْغَصْبِ. وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ لَا يَمْلِكُ مَالَ الْمُسْلِمِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ بِغَصْبٍ , فَالْمُشْرِكُ أَوْلَى أَلَّا يَمْلِكَ. وَخَبَرُ {عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْأَنْصَارِيَّةِ الَّتِي أُسِرَتْ , ثُمَّ امْتَطَتْ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , وَأَعْجَزَتْ مَنْ طَلَبِهَا , فَنَذَرَتْ الْأَنْصَارِيَّةُ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنهَا , فَلَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ , فَقَالُوا: الْعَضْبَاءُ , نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَتْ: إنَّهَا نَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنهَا , فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ , فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ , بِئْسَمَا جَزَتْهَا , نَذَرَتْ لِلَّهِ إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنهَا , لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ , وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ} . وَلَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَمْلِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالَهُمْ لَمَلَكَتْ الْأَنْصَارِيَّةُ النَّاقَةَ. لِأَنَّهَا تَكُونُ أَخَذَتْ مَالًا غَيْرَ مَعْصُومٍ فِي دَارِ حَرْبٍ وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ , وَلَكِنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ أَنَّهَا نَذَرَتْ فِيمَا لَا تَمْلِكُ وَأَخَذَ نَاقَتَهُ , وَبِهِ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ , قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ , وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَةِ: إنَّ أَهْلَ دَارِ الْحَرْبِ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ لَا يَمْلِكُونَهَا , أَمَّا إذَا أَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا. وَقَالُوا: لِأَنَّ مِلْكَ الْمُسْلِمِ يَزُولُ بِالْإِحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ , فَتَزُولُ الْعِصْمَةُ , فَكَأَنَّهُمْ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ , لِأَنَّ الْمِلْكَ هُوَ: الِاخْتِصَاصُ بِالْمَحَلِّ فِي حَقِّ التَّصَرُّفِ , أَوْ شُرِعَ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمَحَلِّ , وَقَدْ زَالَ بِالْإِحْرَازِ بِالدَّارِ. فَإِذَا زَالَ مَعْنَى الْمِلْكِ أَوْ مَا شُرِعَ لَهُ الْمِلْكُ , يَزُولُ الْمِلْكُ ضَرُورَةً. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: يَمْلِكُونَهَا بِالِاسْتِيلَاءِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَقَالُوا: لِأَنَّ الْقَهْرَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ مَالَ الْكَافِرِ , فَمَلَكَ بِهِ الْكَافِرُ مَالَ الْمُسْلِمِ كَالْبَيْعِ , وَلِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ سَبَبُ الْمِلْكِ فَيَثْبُتُ قَبْلَ الْحِيَازَةِ إلَى الدَّارِ , كَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَالِ الْكُفَّارِ , وَلِأَنَّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ أَثْبَتَ الْمِلْكَ حَيْثُ وُجِدَ , كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ , اخْتِلَافُهُمْ فِي حُكْمِ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ أَهْلُ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ