قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} (14) سورة النمل
وفي الظلال:
(فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا: هذا سحر مبين. وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا. فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) . .
هذه الآيات الكثيرة العدد , الكاشفة عن الحق , حتى ليبصره كل من له عينان. ويصف هذه الآيات نفسها بأنها مبصرة , فهي تبصر الناس وتقودهم إلى الهدى. ومع هذ فقد قالوا عنها: إنها سحر مبين! قالوا ذلك لا عن اقتناع به , ولا عن شبهة فيه. إنما قالوه (ظلما وعلوا) وقد استيقنت نفوسهم أنها الحق الذي لا شبهة فيه: (واستيقنتها أنفسهم) . قالوا جحودا ومكابرة , لأنهم لا يريدون الإيمان , ولا يطلبون البرهان. استعلاء على الحق وظلما له ولأنفسهم بهذا الاستعلاء الذميم.
وكذلك كان كبراء قريش يستقبلون القرآن , ويستيقنون أنه الحق , ولكنهم يجحدونه , ويجحدون دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الله الواحد. ذلك أنهم كانوا يريدون الإبقاء على ديانتهم وعقائدهم , لما وراءها من أوضاع تسندهم , ومغانم تتوافد عليهم. وهي تقوم على تلك العقائد الباطلة , التي يحسون خطر الدعوة الإسلاميه عليها , ويحسونها تتزلزل تحت أقدامهم , وترتج في ضمائرهم. ومطارق الحق المبين تدمغ الباطل الواهي المريب!
وكذلك الحق لا يجحده الجاحدون لأنهم لا يعرفونه. بل لأنهم يعرفونه! يجحدونه وقد استيقنته نفوسهم , لأنهم يحسون الخطر فيه على وجودهم , أو الخطر على أوضاعهم , أو الخطر على مصالحهم ومغانمهم. فيقفون في وجهه مكابرين , وهو اضح مبين.
(فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) . .
وعاقبة فرعون وقومه معروفة , كشف عنها القرآن في مواضع أخرى. إنما يشير إليها هنا هذه الإشارة , لعلها توقظ الغافلين من الجاحدين بالحق المكابرين فيه , إلى عاقبة فرعون وقومه قبل أن يأخذهم ما أخذ المفسدين.
قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ} (33) سورة الأنعام