فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 1045

وفي الظلال:

إن مشركي العرب في جاهليتهم - وخاصة تلك الطبقة التي كانت تتصدى للدعوة من قريش - لم يكونوا يشكون في صدق محمد صلى الله عليه وسلم فلقد عرفوه صادقا أمينا , ولم يعلموا عنه كذبة واحدة في حياته الطويلة بينهم قبل الرسالة , كذلك لم تكن تلك الطبقة التي تتزعم المعارضة لدعوته تشك في صدق رسالته , وفي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر , ولا يملك البشر أن يأتوا بمثله. .

ولكنهم - على الرغم من ذلك - كانوا يرفضون إظهار التصديق , ويرفضون الدخول في الدين الجديد! إنهم لم يرفضوا لأنهم يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لأن في دعوته خطرا على نفوذهم ومكانتهم. . وهذا هو السبب الذي من أجله قرروا الجحود بآيات الله , والبقاء على الشرك الذي كانوا فيه. .

والأخبار التي تقرر الأسباب الحقيقية لموقف قريش هذا وحقيقة ظنهم بهذا القرآن كثيرة:

قال ابن اسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: أنه حدث , أن أبا سفيان بن حرب , وأبا جهل بن هشام , والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي , حليف بني زهرة , خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه. وكل لا يعلم بمكان صاحبة. فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الصبح تفرقوا , فجمعهم الطريق , فتلاوموا , وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائهم لأوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه , فباتوا يستمعون له , حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة. ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه , فباتوا يستمعون له. حتى إذا طلع الفجر تفرقوا , فجمعهم الطريق , فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود. فتعاهدوا على ذلك. . ثم تفرقوا. . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه , ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته , فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد ? قال: يا أبا ثعلبة , والله لقد سمعت أشياء أعرفها , وأعرف ما يراد بها , وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل , فدخل عليه في بيته , فقال: يا أبا الحكم , ما رأيك فيما سمعت من محمد ? قال: ماذا سمعت ? قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. . أطعموا فأطعمنا , وحملوا فحملنا , وأعطوا فأعطينا , حتى إذا تجاثينا على الركب , وكنا كفرسي رهان , قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء , فمتى ندرك هذه ? والله لا نؤمن به أبدا ولانصدقه! قال: فقام عنه الأخنس وتركه. .

وروى ابن جرير - من طريق أسباط عن السدي - في قوله: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك , ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) . . لما كان يوم بدر , قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة إن محمدا ابن أختكم , فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته , فإن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم , وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته. قفوا حتى ألقى أبا الحكم , فإن غلب محمد رجعتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت