وما لهم وللحق ? وما لهم أن يكون مصدقا لما معهم! ما داموا لم يستأثروا هم به ? إنهم يعبدون أنفسهم , ويتعبدون لعصبيتهم. لا بل إنهم ليعبدون هواهم , فلقد كفروا من قبل بما جاءهم أنبياؤهم به. . ويلقن الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجبههم بهذه الحقيقة , كشفا لموقفهم وفضحا لدعواهم:
(قل: فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ?) . .
لم تقتلون أنبياء الله من قبل , إن كنتم حقا تؤمنون بما أنزل إليكم ? وهؤلاء الأنبياء هم الذي جاؤوكم بما تدعون أنكم تؤمنون به ?
لا بل إنكم كفرتم بما جاءكم به موسى - نبيكم الأول ومنقذكم الأكبر:
(ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) . .
فهل اتخاذكم العجل من بعدما جاءكم موسى بالبينات , وفي حياة موسى نفسه , كان من وحي الإيمان ? وهل يتفق هذا مع دعواكم أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم ?
قال تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} (54) سورة النساء
وفي تفسير ابن كثير:
** أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاّ يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَىَ مَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مّلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مّن صَدّ عَنْهُ وَكَفَىَ بِجَهَنّمَ سَعِيرًا
يقول تعالى: أم لهم نصيب من الملك, وهذا استفهام إنكاري, أي ليس لهم نصيب من الملك ثم وصفهم بالبخل, فقال: {فإذًا لا يؤتون الناس نقيرًا} , أي لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدًا من الناس ولا سيما محمدًا صلى الله عليه وسلم شيئًا, ولا ما يملأ النقير وهو النقطة التي في النواة في قول ابن عباس والأكثرين. وهذه الاَية كقوله تعالى: {قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذًا لأمسكتم خشية الإنفاق} أي خوف أن يذهب ما بأيديكم مع أنه لا يتصور نفاده وإنما هو من بخلكم وشحكم, ولهذا قال تعالى: {وكان الإنسان قتورًا} أي بخيلًا, ثم قال {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} يعني بذلك حسدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة, ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له, لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي, حدثنا يحيى الحماني, حدثنا قيس بن الربيع عن السدي, عن عطاء, عن ابن عباس في قوله {أم يحسدون الناس} الاَية, قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس, قال الله تعالى: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا} أي فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل, الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة وأنزلنا عليهم الكتب وحكموا فيهم بالسنن, وهي الحكمة, وجعلنا منهم الملوك ومع هذا {فمنهم من آمن به} ,