وإنه فعلا للحسد من يهود. مع تفويت أطماعها في السيادة الأدبية والاقتصادية على العرب الجاهلين المتفرقين المتخاصمين. . يوم أن لم يكن لهم دين. .
ولكن لماذا يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله من النبوة والتمكين في الأرض ? وهم غارقون في فضل الله من عهد إبراهيم. . الذي آتاه الله وآله الكتاب والحكمة - وهي النبوة - وآتاهم الملك كذلك والسيادة. وهم لم يرعوا الفضل ولم يحتفظوا بالنعمة , ولم يصونوا العهد القديم , بل كان منهم فريق من غير المؤمنين. ومن يؤت هذا الفضل كله لا يليق أن يكون منهم جاحدون كافرون!
(فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما. فمنهم من آمن به , ومنهم من صد عنه) .
إنه لمن ألأم الحسد: أن يحسد ذو النعمة الموهوب! لقد يحسد المحروم ويكون الحسد منه رذيلة! أما أن يحسد الواجد المغمور بالنعمة , فهذا هو الشر الأصيل العميق! شر يهود! المتميز الفريد!
ومن ثم يكون التهديد بالسعير , هو الجزاء المقابل لهذا الشر النكير:
(وكفى بجهنم سعيرا) . .
قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (109) سورة البقرة
وفي تفسير ابن كثير:
يحذر تعالى: عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب, ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر, وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين, مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم, ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال, حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح, ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه, كما قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: كان حيّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب, من أشد يهود للعرب حسدًا, إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم, وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا, فأنزل الله فيهما {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم} الاَية. وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري, في قوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب} قال: هو كعب بن الأشرف, وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري, أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك, عن أبيه أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا, وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم, وفيه أنزل الله {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم} إلى قوله {فاعفوا واصفحوا} , وقال الضحاك: عن ابن عباس, أن رسولًا أميًا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والاَيات, ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم, ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا