وحسدًا وبغيًا, وكذلك قال الله تعالى: {كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} يقول من بعد ما أضاء لهم الحق, لم يجهلوا منه شيئًا, ولكن الحسد حملهم على الجحود, فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة, وشرع لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين, ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل الله عليهم, وما أنزل من قبلهم, بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم وقال الربيع بن أنس {من عند أنفسهم} من قبل أنفسهم, وقال أبو العالية {من بعد ما تبين لهم الحق} , من بعد ما تبين أن محمدًا رسول الله, يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل, فكفروا به حسدًا وبغيًا, إذ كان من غيرهم, وكذا قال قتادة والربيع بن أنس, وقوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} , مثل قوله تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثرًا} الاَية, قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله, {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} , نسخ ذلك قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} , وقوله: {وقاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر} , إلى قوله {وهم صاغرون} , فنسخ هذا عفوه عن المشركين, وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي, إنها منسوخة بآية السيف, ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: {حتى يأتي الله بأمره} , وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي: أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب, عن الزهري, أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب, كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم, يتأول من العفو ما أمره الله به, حتى أذن الله فيهم بالقتل, فقتل الله به من قتل من صناديد قريش, وهذا إسناده صحيح ولم أره في شيء من الكتب الستة, ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد.
وفي الظلال:
ثم يكشف للمسلمين عما تكنه لهم صدور اليهود حولهم من الشر والعداء , وعما تنغل به قلوبهم من الحقد والحسد , بسبب ما اختصهم به الله من الفضل. ليحذروا أعداءهم , ويستمسكوا بما يحسدهم هؤلاء الأعداء عليه من الإيمان , ويشكروا فضل الله عليهم ويحفظوه:
(ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم. والله يختص برحمته من يشاء. والله ذو الفضل العظيم) . .
ويجمع القرآن بين أهل الكتاب والمشركين في الكفر. . وكلاهما كافر بالرسالة الأخيرة فهما على قدم سواء من هذه الناحية ; وكلاهما يضمر للمؤمنين الحقد والضغن , ولا يود لهم الخير. وأعظم ما يكرهونه للمؤمنين هو هذا الدين. هو أن يختارهم الله لهذا الخير وينزل عليهم هذا القرآن , ويحبوهم بهذه النعمة , ويعهد إليهم بأمانة العقيدة في الأرض , وهي الأمانة الكبرى في الوجود.