وإما أن يكون العكس , ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين (مثليهم) هم - في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم - ومع هذا ثبتوا وانتصروا.
والمهم هو رجع النصر إلى تأييد الله وتدبيره. . وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد. كما أن فيه تثبيتا للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم. . وكان الموقف - كما ذكرنا في التمهيد للسورة - يقتضي هذا وذاك. . وكان القرآن يعمل هنا وهناك. .
وما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة. وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة. . إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله , قائم في كل لحظة. ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة - ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة. وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ , وسنة ماضية لم تتوقف.
وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة ; وتثق في ذلك الوعد ; وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة ; وتصبر حتى يأذن الله ; ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله , المدبر بحكمته , المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة.
(إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) . .
ولا بد من بصر ينظر وبصير تتدبر , لتبرز العبرة , وتعيها القلوب. وإلا فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار!
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (36) سورة الأنفال
وفي الظلال:
روى محمد بن إسحاق عن الزهري وغيره قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر , ورجع فلهم - أي جيشهم المهزوم - إلى مكة ; ورجع أبو سفيان بِعيره , مشى عبدالله بن ربيعة , وعكرمة بن أبي جهل , وصفوان بن أمية , في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر , فكلموا أبا سفيان بن حرب , ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة , فقالوا: يا معشر قريش , إن محمدًا قد وتركم وقتل خياركم! فأعينونا بهذا المال على حربه , لعلنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منا. ففعلوا. فقال: ففيهم - كما ذكر ابن عباس - أنزل الله عز وجل: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم. . .) .
وليس هذا الذي حدث قبل بدر وبعدها إلا نموذجًا من الأسلوب التقليدي لأعداء هذا الدين. . إنهم ينفقون أموالهم , ويبذلون جهودهم , ويستنفدون كيدهم , في الصد عن سبيل الله , وفي إقامة العقبات في وجه هذا الدين. وفي حرب العصبة المسلمة في كل أرض وفي كل حين. .