بَاسَ بِأَنْ يَفِرَّ مِمَّنْ مَعَهُ السِّلَاحُ. وَكَذَلِكَ لَا بَاسَ بِأَنْ يَفِرَّ مِمَّنْ يَرْمِي إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ آلَةُ الرَّمْيِ. أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَفِرَّ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ , وَمِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُرْمَى فِيهِ بِالْمَنْجَنِيقِ لِعَجْزِهِ عَنْ الْمُقَامِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟ وَعَلَى هَذَا لَا بَاسَ بِأَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ مِنْ الثَّلَاثَةِ , إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ , فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا مِنْ الْعَدُوِّ وَإِنْ كَثُرُوا , لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {لَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا عَنْ قِلَّةٍ} وَمَنْ كَانَ غَالِبًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَفِرَّ. 115 - وَذَكَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: {بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ وَأَنَا فِيهِمْ. فَحَاصَ الْمُسْلِمُونَ حَيْصَةً. يَعْنِي انْهَزَمُوا مِنْ الْعَدُوِّ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قُلْنَا: نَحْنُ الْفَرَّارُونَ. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: بَلْ أَنْتُمْ الْعَكَّارُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أَنَا لَكُمْ فِئَةٌ لِتَرْجِعُوا إلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَالْمُرَادُ بِالْعَكَّارِ الرَّاجِعُ إلَى الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. يَعْنِي: كَانَ هَذَا مِنْكُمْ تَحَيُّزًا إلَيَّ. أَنَا لَكُمْ (40 آ) فِئَةٌ لِتَرْجِعُوا مَعِي إلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
تَحَرُّفٌ التَّعْرِيفُ:
1 -مِنْ مَعَانِي التَّحَرُّفِ فِي اللُّغَةِ: الْمَيْلُ , وَالْعُدُولُ عَنْ الشَّيْءِ. يُقَالُ: حَرَّفَ عَنْ الشَّيْءِ يُحَرِّفُ حَرْفًا وَتَحَرَّفَ: عَدَلَ , وَإِذَا مَالَ الْإِنْسَانُ عَنْ شَيْءٍ يُقَالُ: تَحَرَّفَ. وَاصْطِلَاحًا: يُطْلَقُ عَلَى التَّحَرُّفِ فِي الْقِتَالِ بِمَعْنَى تَرْكِ الْمَوْقِفِ إلَى مَوْقِفٍ أَصْلَحَ لِلْقِتَالِ مِنْهُ , حَسَبَ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ , أَوْ لِلتَّوَجُّهِ إلَى قِتَالِ طَائِفَةٍ أُخْرَى أَهَمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ , أَوْ مُسْتَطْرِدًا لِقِتَالِ عَدُوِّهِ بِطَلَبِ عَوْرَةٍ لَهُ يُمْكِنُهُ إصَابَتُهَا , فَيَكُرُّ عَلَيْهِ. (الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ) : 2 - إذَا الْتَقَى جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ وَكَانَ عَدَدُ الْكُفَّارِ مِثْلَيْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَقَلَّ يَحْرُمُ الْفِرَارُ وَالِانْصِرَافُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ , فَيَجُوزُ لَهُ الِانْصِرَافُ بِقَصْدِ التَّحَرُّفِ , لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ , وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} . وَالْمُتَحَرِّفُ هُوَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنْ جِهَةٍ إلَى أُخْرَى حَسْبَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ , فَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَكَان ضَيِّقٍ إلَى مَكَان أَرْحَبَ مِنْهُ , لِيَتْبَعَهُ الْعَدُوُّ إلَى مُتَّسَعٍ سَهْلٍ لِلْقِتَالِ , أَوْ مِنْ مَوْضِعٍ مَكْشُوفٍ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ غَيْرِ مَكْشُوفٍ لِيَكْمُنَ فِيهِ وَيَهْجُمَ , أَوْ عَنْ مَحَلِّهِ لِأَصْوَنَ مِنْهُ عَنْ نَحْوِ رِيحٍ أَوْ شَمْسٍ أَوْ عَطَشٍ , أَوْ يَفِرُّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِتُنْتَقَضَ صُفُوفُهُمْ وَيَجِدُ فِيهِمْ فُرْصَةً , أَوْ لِيَسْتَنِدَ إلَى جَبَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا فِي خُطْبَتِهِ إذْ قَالَ:"يَا سَارِيَةَ بْنَ زُنَيْمٍ الْجَبَلَ", وَكَانَ قَدْ بَعَثَ سَارِيَةَ إلَى نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ لِغَزْوِهِمْ , فَلَمَّا قَدِمَ ذَلِكَ الْجَيْشُ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ لَاقَوْا عَدُوَّهُمْ يَوْمَ جُمُعَةٍ , فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ , فَسَمِعُوا صَوْتَ عُمَرَ فَتَحَيَّزُوا إلَى الْجَبَلِ , فَنَجَوْا مِنْ عَدُوِّهِمْ فَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ. وَالتَّحَرُّفُ جَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ , وَلَكِنَّ الْمَالِكِيَّةَ أَجَازُوهُ لِغَيْرِ أَمِيرِ الْجَيْشِ وَالْإِمَامِ. أَمَّا هُمَا فَلَيْسَ لَهُمَا التَّحَرُّفُ , لِمَا يَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ الْخَلَلِ وَالْمَفْسَدَةِ. وَالتَّفْصِيلُ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (جِهَادٌ) .
تَحَيُّزٌ التَّعْرِيفُ: