فهرس الكتاب

الصفحة 528 من 1045

وهذا التسليم المطلق لله , هو السمة الإيمانية الواضحة في إبراهيم يبرزها هنا ليوجه إليها قلوب أبنائه المسلمين. كحلقة من حلقات التربية والتوجيه بالقصص والتعقيب عليه , وإبراز ما في ثناياه من ملامح وسمات وتوجيهات على طريقة القرآن الكريم.

ويستطرد لهذا في إثبات بقية دعاء إبراهيم ونجواه لمولاه:

(ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا) . .

فلا تسلطهم علينا. فيكون في ذلك فتنة لهم , إذ يقولون: لو كان الإيمان يحمي أهله ما سلطنا عليهم وقهرناهم! وهي الشبهة التي كثيرا ما تحيك في الصدور , حين يتمكن الباطل من الحق , ويتسلط الطغاة على أهل الإيمان - لحكمة يعلمها الله - في فترة من الفترات. والمؤمن يصبر للابتلاء , ولكن هذا لا يمنعه أن يدعو الله ألا يصيبه البلاء الذي يجعله فتنة وشبهة تحيك في الصدور.

وبقية الدعاء:

(واغفر لنا) . .

يقولها إبراهيم خليل الرحمن. إدراكا منه لمستوى العبادة التي يستحقها منه ربه , وعجزه ببشريته عن بلوغ المستوى الذي يكافئ به نعم الله وآلاءه , ويمجد جلاله وكبرياءه فيطلب المغفرة من ربه , ليكون في شعوره وفي طلبه أسوة لمن معه ولمن يأتي بعده.

ويختم دعاءه وإنابته واستغفاره يصف ربه بصفته المناسبة لهذا الدعاء:

(ربنا إنك أنت العزيز الحكيم) . .

العزيز: القادر على الفعل , الحكيم: فيما يمضي من تدبير.

وقال الجصاص:

وقوله تعالى: {لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} الْآيَةَ.

فِيهِ نَهْيٌ عَنْ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ; لِأَنَّهُ جَزَمَ الْفِعْلَ , فَهُوَ إذًا نَهْيٌ وَلَيْسَ بِخَبَرٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يُلَاطِفُوا الْكُفَّارَ ; وَنَظِيرُهَا مِنْ الْآيِ قوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا} وَقَالَ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ} الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى {فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِثْلُهُمْ} , وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ} وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} فَنَهَى بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ وَمُلَاطَفَتِهِمْ عَنْ النَّظَرِ إلَى أَمْوَالِهِمْ , وَأَحْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَرُوِيَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت