ولقد سبق الحديث عن حقدهم وغيظهم من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده , حتى لقد بلغ بهم الغيظ أن يعلنوا عداءهم لجبريل - عليه السلام - إذ كان ينزل بالوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم:
(والله يختص برحمته من يشاء) . .
فالله أعلم حيث يجعل رسالته ; فإذا اختص بها محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به , فقد علم - سبحانه - أنه وأنهم أهل لهذا الاختصاص.
(والله ذو الفضل العظيم) . .
وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة ; وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه. وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل , وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد. . وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها - ويقودها - اليهود , لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين , وهي الخير الضخم الذي ينفسونه على المسلمين!
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} (51) سورة النساء
وفي تفسير ابن كثير:
** أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىَ كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمّ يَتَوَلّىَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُمْ مّعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسّنَا النّارُ إِلاّ أَيّامًا مّعْدُودَاتٍ وَغَرّهُمْ فِي دِينِهِمْ مّا كَانُوا يَفْتَرُونَ * فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفّيَتْ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ... يقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم, وهما التوراة والإنجيل, وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم, تولوا وهم معرضون عنهما, وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد, ثم قال تعالى: {ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات} أي إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة في الدنيا يومًا وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: {وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون} أي ثبتهم على دينهم الباطل, ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أيامًا معدودات, وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم واختلقوه ولم ينزل الله به سلطانًا, قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا {فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه} أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله, وكذبوا رسله, وقتلوا أنبياءه, والعلماء من قومهم, الاَمرين بالمعروف, والناهين عن المنكر, والله تعالى سائلهم عن ذلك كله ومحاسبهم عليه ومجازيهم