بذلك تستقر حقيقة الأجل في النفس , فتترك الاشتغال به , ولا تجعله في الحساب , وهي تفكر في الأداء والوفاء بالالتزامات والتكاليف الإيمانية. وبذلك تنطلق من عقال الشح والحرص , كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع. وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته , في صبر وطمأنينة , وتوكل على الله الذي يملك الآجال وحده.
ثم ينتقل بالنفس خطوة وراء هذه القضية التي حسم فيها القول. . فإنه إذا كان العمر مكتوبا , والأجل مرسوما. . فلتنظر نفس ما قدمت لغد ; ولتنظر نفس ماذا تريد. . أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان , وأن تحصر همها كله في هذه الأرض , وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها ? أم تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى , وإلى اهتمامات أرفع , وإلى حياة أكبر من هذه الحياة ?. . مع تساوي هذا الهم وذاك فيما يختص بالعمر والحياة ?!
(ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها. ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) .
وشتان بين حياة وحياة! وشتان بين اهتمام واهتمام! - مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر والأجل - والذي يعيش لهذه الأرض وحدها , ويريد ثواب الدنيا وحدها. . إنما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام! ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب. والذي يتطلع إلى الأفق الآخر. . إنما يحيا حياة"الإنسان"الذي كرمه الله واستخلفه وأفرده بهذا المكان ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب. . (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) . .
(وسنجزي الشاكرين) . .
الذين يدركون نعمة التكريم الإلهي للإنسان , فيرتفعون عن مدارج الحيوان ; ويشكرون الله على تلك النعمة , فينهضون بتبعات الإيمان. .
وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت والحياة , وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء , وفق ما يريدونه لأنفسهم , من اهتمام قريب كاهتمام الدود , أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان! وبذلك ينقل النفس من الإنشغال بالخوف من الموت والجزع من التكاليف - وهي لا تملك شيئا في شأن الموت والحياة - إلى الإنشغال بما هو أنفع للنفس , في الحقل الذي تملكه , وتملك فيه الاختيار. فتختار الدنيا أو تختار الآخرة. وتنال من جزاء الله ما تختار!
ففي سنن أبي داود عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا» . فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ» . فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ» .