فهرس الكتاب

الصفحة 1002 من 1045

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} (97) سورة النساء

وفي الظلال:

لقد كان هذا النص يواجه حالة واقعة في الجزيرة العربية - في مكة وغيرها - بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيام الدولة المسلمة. فقد كان هناك مسلمون لم يهاجروا. حبستهم أموالهم ومصالحهم - حيث لم يكن المشركون يدعون مهاجرا يحمل معه شيئا من ماله - أو حبسهم إشفاقهم وخوفهم من مشاق الهجرة - حيث لم يكن المشركون يدعون مسلما يهاجر حتى يمنعوه ويرصدوا له في الطريق. . وجماعة حبسهم عجزهم الحقيقي , من الشيوخ والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة للهرب ولا يجدون سبيلا للهجرة. .

وقد اشتد أذى المشركين لهؤلاء الباقين من أفراد المسلمين ; بعد عجزهم عن إدراك الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه , ومنعهما من الهجرة. وبعد قيام الدولة المسلمة. وبعد تعرض الدولة المسلمة لتجارة قريش في بدر , وانتصار المسلمين ذلك الانتصار الحاسم. فأخذ المشركون يسومون هذه البقية المتخلفة ألوانا من العذاب والنكال , ويفتنونهم عن دينهم في غيظ شديد.

وقد فتن بعضهم عن دينهم فعلا ; واضطر بعضهم إلى إظهار الكفر تقية , ومشاركة المشركين عبادتهم. . وكانت هذه التقية جائزة لهم يوم أن لم تكن لهم دولة يهاجرون إليها - متى استطاعوا - فأما بعد قيام الدولة , ووجود دار الإسلام فإن الخضوع للفتنة , أو الالتجاء للتقية , وفي الوسع الهجرة والجهر بالإسلام , والحياة في دار الإسلام. . أمر غير مقبول.

وهكذا نزلت هذه النصوص ; تسمي هؤلاء القاعدين محافظة على أموالهم ومصالحهم , أو إشفاقا من مشاق الهجرة ومتاعب الطريق. . حتى يحين أجلهم. . تسميهم: (ظالمي أنفسهم) . . بما أنهم حرموها الحياة في دار الإسلام , تلك الحياة الرفيعة النظيفة الكريمة الحرة الطليقة. وألزموها الحياة في دار الكفر تلك الحياة الذليلة الخانسة الضعيفة المضطهدة , وتوعدهم (جهنم وساءت مصيرًا) . . مما يدل على أنها تعني الذين فتنواعن دينهم بالفعل هناك!

ولكن التعبير القرآني - على أسلوب القرآن - يعبر في صورة , ويصور في مشهد حي نابض بالحركة والحوار: (إن الذين توفاهم الملائكة. . ظالمي أنفسهم. . قالوا: فيم كنتم ? قالوا: كنا مستضعفين في الأرض! قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة , فتهاجروا فيها ?!) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت