إن المعركة لن تكف. وأعداء هذا الدين لن يدعوه في راحة. ولن يتركوا أولياء هذا الدين في أمن. وسبيل هذا الدين هو أن يتحرك ليهاجم الجاهلية , وسبيل أوليائه أن يتحركوا لتحطيم قدرة الجاهلية على العدوان ; ثم لإعلاء راية الله حتى لا يجرؤ عليها الطاغوت.
والله - سبحانه - ينذر الكفار الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله بأنها ستعود عليهم بالحسرة. . إنهم سينفقونها لتضيع في النهاية , وليغلبوا هم وينتصر الحق في هذه الدنيا. وسيحشرون في الآخرة إلى جهنم , فتتم الحسرة الكبرى. . ذلك. .
(ليميز الله الخبيث من الطيب , ويجعل الخبيث بعضه على بعض , فيركمه جميعًا ; فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون) . .
فكيف ?
إن هذا المال الذي ينفق يؤلب الباطل ويملي له في العدوان ; فيقابله الحق بالكفاح والجهاد ; وبالحركة للقضاء على قدرة الباطل على الحركة. . وفي هذا الاحتكاك المرير , تنكشف الطباع , ويتميز الحق من الباطل , كما يتميز أهل الحق من أهل الباطل - حتى بين الصفوف التي تقف ابتداء تحت راية الحق قبل التجربة والابتلاء! - ويظهر الصامدون الصابرون المثابرون الذين يستحقون نصر الله , لأنهم أهل لحمل أماناته , والقيام عليها , وعدم التفريط فيها تحت ضغط الفتنة والمحنة. . عند ذلك يجمع الله الخبيث على الخبيث , فيلقي به في جهنم. . وتلك غاية الخسران. .
والتعبير القرآني يجسم الخبيث حتى لكأنه جِرم ذو حجم , وكأنما هو كومة من الأقذار , يقذف بها في النار , دون اهتمام ولا اعتبار!
(فيركمه جميعًا فيجعله في جهنم) . .
وهذا التجسيم يمنح المدلول وقعا أعمق في الحس. . وتلك طريقة القرآن الكريم في التعبير والتأثير. .
قال تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (197) سورة آل عمران
وفي الظلال:
وتقلب الذين كفروا في البلاد , مظهر من مظاهر النعمة والوجدان , ومن مظاهر المكانة والسلطان , وهو مظهر يحيك في القلوب منه شيء لا محالة. يحيك منه شيء في قلوب المؤمنين ; وهم يعانون الشظف والحرمان , ويعانون الأذى والجهد , ويعانون المطاردة أو الجهاد. . وكلها مشقات وأهوال , بينما أصحاب الباطل ينعمون ويستمتعون!. . ويحيك منه شيء في قلوب الجماهير الغافلة , وهي ترى الحق وأهله يعانون هذا العناء , والباطل وأهله في منجاة , بل في مسلاة! ويحيك منه شيء في قلوب الضالين المبطلين أنفسهم ; فيزيدهم ضلالا وبطرا ولجاجا في الشر والفساد.