هذه هي المعركة التي اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى - جيش عدته اثنا عشر ألفا فأعجبتهم كثرتهم , وغفلوا بها عن سبب النصر الأول , فردهم الله بالهزيمة في أول المعركة إليه ; ثم نصرهم بالقلة المؤمنة التي ثبتت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصقت به.
والنص يعيد عرض المعركة بمشاهدها المادية , وبانفعالاتها الشعورية:
(إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا , وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) . .
فمن إنفعال الإعجاب بالكثرة , إلى زلزلة الهزيمة الروحية , إلى انفعال الضيق والحرج حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم. إلى حركة الهزيمة الحسية , وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب. .
(ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) . .
وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة ويهدئ الإنفعالات الثائرة.
(وأنزل جنودا لم تروها) . .
فلا نعلم ماهيتها وطبيعتها. . وما يعلم جنود ربك إلا هو. .
(وعذب الذين كفروا) .
بالقتل والأسر والسلب والهزيمة:
(وذلك جزاء الكافرين) . .
(ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء , والله غفور رحيم) . .
فباب المغفرة دائما مفتوح لمن يخطئ ثم يتوب.
إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الإنشغال عن الله , والإعتماد على قوة غير قوته , لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية. حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة. إن الكثرة العددية ليست بشئ , إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة , لأن بعض الداخلين فيها , التائهين في غمارها , ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها , تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة ; فيشيعون الإضطراب والهزيمة في الصفوف , فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في ثوثيق صلتهم بالله , إنشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة.
لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة , لا بالزبد الذي يذهب جفاء , ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح!
وفي تاريخ الطبري: قال فمن؟ قالوا الأسد عاديا. قال من؟ قالوا سعد. فانتهى إلى قولهم فأرسل إليه فقدم عليه فأمره على حرب العراق وأوصاه فقال:"يا سعد سعد بني وهيب لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول"