أي بهذا الإيتاء وهذا الإنعام, {ومنهم من صد عنه} أي كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه, وهو منهم ومن جنسهم أي من بني إسرائيل. فقد اختلفوا عليهم, فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ وقال مجاهد: {فمنهم من آمن به} , أي بمحمد صلى الله عليه وسلم, {ومنهم من صد عنه} , فالكفرة منهم أشد تكذيبًا لك, وأبعد عما جئتهم به من الهدى, والحق المبين, ولهذا قال متوعدًا لهم {وكفى بجهنم سعيرًا} أي وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
وفي الظلال:
لقد كان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب , أولى الناس أن يتبعوا الكتاب ; وأن يكفروا بالشرك الذي يعتنقه من لم يأتهم من الله هدى ; وأن يحكموا كتاب الله في حياتهم , فلا يتبعوا الطاغوت - وهو كل شرع لم يأذن به الله , وكل حكم ليس له من شريعة الله سند - ولكن اليهود - الذين كانوا يزكون أنفسهم , ويتباهون بأنهم أحباء الله - كانوا في الوقت ذاته يتبعون الباطل والشرك باتباعهم للكهانة وتركهم الكهان والأحبار يشرعون لهم ما لم يأذن به الله. وكانوا يؤمنون بالطاغوت ; وهو هذا الحكم الذي يقوم على غير شريعة الله. . وهو طاغوت لما فيه من طغيان - بادعاء الإنسان إحدى خصائص الألوهية - وهي الحاكمية - وبعدم انضباطه بحدود من شرع الله , تلزمه العدل والحق. فهو طغيان , وهو طاغوت ; والمؤمنون به والمتبعون له , مشركون أو كافرون. . يعجب الله من أمرهم , وقد أوتوا نصيبا من الكتاب , فلم يلتزموا بما أوتوه من الكتاب!
ولقد كانوا يضيفون إلى الإيمان بالجبت والطاغوت , موقفهم في صف المشركين الكفار , ضد المؤمنين الذين آتاهم الله الكتاب أيضا:
ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا. .
قال ابن إسحاق. حدثني محمد بن أبى محمد , عن عكرمة - أو عن سعيد بن جبير - عن ابن عباس. قال:"كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة , حيي بن أخطب , وسلام بن الحقيق , وأبو رافع , والربيع بن الحقيق , وأبو عامر , ووحوح بن عامر , وهودة بن قيس. فأما وحوح وأبو عامر وهودة , فمن بني وائل , وكان سائرهم من بني النضير. . فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود , وأهل العلم بالكتاب الأول. فاسألوهم: أدينكم خير أم دين محمد ? فسألوهم. فقالوا: دينكم خير من دينه , وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله - عز وجل: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) . . . إلى قوله عز وجل: (وآتيناهم ملكا عظيما) . . وهذا لعن لهم , وإخبار بأنه لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة. لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين. وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم. وقد أجابوهم , وجاءوا معهم يوم الأحزاب ; حتى حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابة حول المدينة الخندق , وكفى الله شرهم"
(ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا. وكفى الله المؤمنين القتال , وكان الله قويا عزيزا) .