إذَا عَرَفَ هَذَا , فَلَيْسَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ إلَّا أَصْلَحَ الْمَوْجُودَ , وَقَدْ لَا يَكُونُ فِي مَوْجُودِهِ , مَنْ هُوَ صَالِحٌ لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ , فَيَخْتَارُ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ يَحْسِبُهُ , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ , وَأَخْذِهِ لِلْوِلَايَةِ بِحَقِّهَا , فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ , وَقَامَ بِالْوَاجِبِ فِي هَذَا , وَصَارَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ , وَإِنْ اخْتَلَّ بَعْضُ الْأُمُورِ بِسَبَبٍ مِنْ غَيْرِهِ , إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَلِكَ , فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وَيَقُولُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} . وَقَالَ فِي الْجِهَادِ: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَك وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ} . وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ , لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} فَمَنْ أَدَّى الْوَاجِبَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَقَدْ اهْتَدَى: وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ , لَكِنْ إذَا كَانَ مِنْهُ عَجْزٌ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ , أَوْ خِيَانَةٌ عُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الْأَصْلَحَ فِي كُلِّ مَنْصِبٍ , فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ , كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} وَقَالَ صَاحِبُ مِصْرَ لِيُوسُفَ عليه السلام: {إنَّكَ الْيَوْمَ لَدِينًا مَكِينٌ أَمِينٌ} وَقَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ: {إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} . وَالْقُوَّةُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ بِحَسَبِهَا , فَالْقُوَّةُ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ تَرْجِعُ إلَى شَجَاعَةِ الْقَلْبِ , وَإِلَى الْخِبْرَةِ بِالْحُرُوبِ , وَالْمُخَادَعَةِ فِيهَا , فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ , وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الْقِتَالِ: مِنْ رَمْيٍ وَطَعْنٍ وَضَرْبٍ , وَرُكُوبٍ وَكَرٍّ وَفَرٍّ , وَنَحْوِ ذَلِكَ , كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {ارْمُوا وَارْكَبُوا , وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا , وَمَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا} وَفِي رِوَايَةٍ: {فَهِيَ نِعْمَةٌ جَحَدَهَا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ , تَرْجِعُ إلَى الْعَدْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ , وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ. وَالْأَمَانَةُ تَرْجِعُ إلَى خَشْيَةِ اللَّهِ , وَأَلَّا يَشْتَرِيَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا , وَتَرْكِ خَشْيَةِ النَّاسِ , وَهَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ الَّتِي اتَّخَذَهَا اللَّهُ عَلَى كُلِّ حَكَمٍ عَلَى النَّاسِ , فِي قوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} , {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ , وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ , فَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ , فَهُوَ فِي النَّارِ , وَرَجُلٌ قَضَى بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ , فَهُوَ فِي النَّارِ , وَرَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ , فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ} رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَالْقَاضِي اسْمٌ لِكُلِّ مَنْ قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا , سَوَاءٌ كَانَ خَلِيفَةً أَوْ سُلْطَانًا , أَوْ نَائِبًا , أَوْ وَالِيًا , أَوْ كَانَ مَنْصُوبًا لِيَقْضِيَ بِالشَّرْعِ , أَوْ نَائِبًا لَهُ , حَتَّى يَحْكُمَ بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْخُطُوطِ , إذَا تَخَايَرُوا , هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الْبَابُ الثَّانِي الْحُدُودُ وَالْحُقُوقُ الَّتِي لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ
وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ فُصُولٍ. الْأَوَّلُ: النُّفُوسُ. الثَّانِي: الْجِرَاحُ. الثَّالِثُ: الْأَعْرَاضُ. الرَّابِعُ: الْفِرْيَةُ وَنَحْوُهَا. الْخَامِسُ: الْإِبْضَاعُ. السَّادِسُ: الْأَحْوَالُ. السَّابِعُ: الْمُشَاوَرَةُ. الثَّامِنُ: وُجُوبُ اتِّخَاذِ الْأَمَارَةِ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: النُّفُوسُ. وَأَمَّا الْحُدُودُ وَالْحُقُوقُ الَّتِي لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ فَمِنْهَا النُّفُوسُ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ تَعَالَوْا