فأتوه فقالوا: قد عرفت يا محمد أنا أحبار اليهود، وإن اتبعناك لم يخالفنا أحد من اليهود، وإن بيننا وبين قوم خصومة فتحاكمهم إليك، فأقض لنا عليهم حتى نؤمن بك؛ فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية. وأصل الفتنة الاختبار حسبما تقدم، ثم يختلف معناها؛ فقوله تعالى هنا"يفتنوك"معناه يصدوك ويردوك؛ وتكون الفتنة بمعنى الشرك؛ ومنه قوله:"والفتنة"بمعنى العبرة؛ وقوله:"وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة" [الأنفال: 39] . وتكون الفتنة بمعنى العبرة؛ كقوله:"لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين" [يونس: 85] . و"لا تجعلنا فتنة للذين كفروا" [الممتحنة: 5] ، وتكون الفتنة الصد عن السبيل كما في هذه الآية. وتكرير"وأن احكم بينهم بما أنزل الله"للتأكيد، أو هي أحوال وأحكام أمره أن يحكم في كل واحد بما أنزل الله. وفي الآية دليل على جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال:"أن يفتنوك"وإنما يكون ذلك عن نسيان لا عن تعمد. وقيل: الخطاب له والمراد غيره. وسيأتي بيان هذا في"الأنعام"إن شاء الله تعالى. ومعنى"عن بعض ما أنزل الله إليك"عن كل ما أنزل الله إليك. والبعض يستعمل بمعنى الكل قال الشاعر:
أو يعتبط بعض النفوس حمامها
ويروى"أو يرتبط". أراد كل النفوس؛ وعليه حملوا قوله تعالى:"ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه" [الزخرف: 63] . قال ابن العربي: والصحيح أن"بعض"على حالها في هذه الآية، وأن المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم يقصدوا أن يفتنوه عن الكل. والله أعلم.
قوله تعالى:"فإن تولوا"أي فإن أبوا حكمك وأعرضوا عنه"فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم"أي يعذبهم بالجلاء والجزية والقتل، وكذلك كان. وإنما قال:"ببعض"لأن المجازاة بالبعض كانت كافية في التدمير عليهم."وإن كثيرا من الناس لفاسقون"يعني اليهود.
الآية: 50 {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}
قوله تعالى:"أفحكم الجاهلية يبغون""أفحكم"نصب بـ"يبغون"والمعنى: أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع؛ كما تقم في غير موضع، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء؛ فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل. روى سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن طاوس قال: كان إذا سألوه عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض يقرأ هذه الآية"أفحكم الجاهلية يبغون"فكان طاوس يقول: ليس لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفسخ؛ وبه قال أهل الظاهر. وروي عن أحمد بن حنبل مثله، وكرهه الثوري وابن المبارك وإسحاق؛ فإن فعل ذلك أحد نفذ ولم يرد، وأجاز ذلك مالك والثوري والليث والشافعي وأصحاب الرأي؛ واستدلوا بفعل الصديق في نحله عائشة دون سائر ولده، وبقول عليه السلام: (فارجعه) وقوله: (فأشهد على هذا غيري) . واحتج الأولون بقوله عليه السلام لبشير: (ألك ولد سوى هذا) قال نعم، فقال: (أكلهم وهبت له مثل هذا) فقال لا، قال: (فلا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور) في رواية (وإني لا أشهد إلا على حق) . قالوا: وما كان جورا وغير حق فهو باطل لا يجوز. وقول: (أشهد