الذين قتلوهم ويلعنهم, قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع «أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» .
وفي الظلال:
لقد شاء الله بعد أن جلا في قلوب المؤمنين حقيقة القدر والأجل , وتحدى ما يبثه المنافقون من شكوك وبلبلة وحسرات بقولهم عن القتلى: (لو أطاعونا ما قتلوا) فقال يتحداهم: قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. .
شاء الله بعد أن أراح القلوب المؤمنة على صدر هذه الحقيقة الثابتة. . أن يزيد هذه القلوب طمأنينة وراحة. فكشف لها عن مصير الشهداء: الذين قتلوا في سبيل الله - وليس هنالك شهداء إلا الذين يقتلون في سبيل الله خالصة قلوبهم لهذا المعنى , مجردة من كل ملابسة أخرى - فإذا هؤلاء الشهداء أحياء , لهم كل خصائص الأحياء. فهم"يرزقون"عند ربهم. وهم فرحون بما آتاهم الله من فضله. وهم يستبشرون بمصائر من وراءهم من المؤمنين. وهم يحفلون الأحداث التي تمر بمن خلفهم من إخوانهم. . فهذه خصائص الأحياء: من متاع واستبشار واهتمام وتأثر وتأثير. فما الحسرة على فراقهم ? وهم أحياء موصولون بالأحياء وبالأحداث , فوق ما نالهم من فضل الله , وفوق ما لقوا عنده من الرزق والمكانة ? وما هذه الفواصل التي يقيمها الناس في تصوراتهم بين الشهيد الحي ومن خلفه من إخوانه ? والتي يقيمونها بين عالم الحياة وعالم ما بعد الحياة ? ولا فواصل ولا حواجز بالقياس إلى المؤمنين , الذين يتعاملون هنا وهناك مع الله. . ?
إن جلاء هذه الحقيقة الكبيرة ذو قيمة ضخمة في تصور الأمور. إنها تعدل - بل تنشئ إنشاء - تصور المسلم للحركة الكونية التي تتنوع معها صور الحياة وأوضاعها , وهي موصولة لا تنقطع ; فليس الموت خاتمة المطاف ; بل ليس حاجزا بين ما قبله وما بعده على الإطلاق!
إنها نظرة جديدة لهذا الأمر , ذات آثار ضخمة في مشاعر المؤمنين , واستقبالهم للحياة والموت , وتصورهم لما هنا وما هناك.
(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) . .
والآية نص في النهي عن حسبان أن الذين قتلوا في سبيل الله , وفارقوا هذه الحياة , وبعدوا عن أعين الناس. . أموات. . ونص كذلك في إثبات أنهم"أحياء". ."عند ربهم". ثم يلي هذا النهي وهذا الإثبات , وصف ما لهم من خصائص الحياة. فهم"يرزقون". .
ومع أننا نحن - في هذه الفانية - لا نعرف نوع الحياة التي يحياها الشهداء , إلا ما يبلغنا من وصفها في الأحاديث الصحاح. . إلا أن هذا النص الصادق من العليم الخبير كفيل وحده بأن يغير مفاهيمنا للموت والحياة , وما بينهما من انفصال والتئام. وكفيل وحده بأن يعلمنا أن الأمور في حقيقتها ليست كما هي في ظواهرها التي ندركها ; وإننا حين ننشئ مفاهيمنا للحقائق المطلقة بالاستناد إلى الظواهر التي