إننا نعاني من ويلات الجاهلية ; والإسلام منا قريب. ونعاني من حرب الجاهلية وسلام الإسلام في متناول أيدينا لو نشاء. . فأية صفقة خاسرة هذه التي نستبدل فيها الذي هو أدني بالذي هو خير ? ونشتري فيها الضلالة بالهدى ? ونؤثر فيها الحرب على السلام ?
إننا نملك إنقاذ البشرية من ويلات الجاهلية وحربها المشبوبة في شتى الصور والألوان. ولكننا لا نملك إنقاذ البشرية , قبل أن ننقذ نحن أنفسنا , وقبل أن نفيء إلى ظلال السلام , حين نفيء إلى رضوان الله ونتبع ما ارتضاه. فنكون من هؤلاء الذين يقول الله عنهم إنه يهديهم سبل السلام.
(ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه) . .
والجاهلية كلها ظلمات. . ظلمة الشبهات والخرافات والأساطير والتصورات. وظلمة الشهوات والنزعات والاندفاعات في التيه. وظلمة الحيرة والقلق والانقطاع عن الهدى والوحشة من الجناب الآمن المأنوس. وظلمة اضطراب القيم وتخلخل الأحكام والقيم والموازين. والنور هو النور. . هو ذلك النور الذي تحدثنا عنه آنفا في الضمير وفي العقل وفي الكيان وفي الحياة وفي الأمور. .
يهديهم إلى صراط مستقيم. .
مستقيم مع فطرة النفس ونواميسها التي تحكمها. مستقيم مع فطرة الكون ونواميسه التي تصرفه. مستقيم إلى الله لا يلتوي ولا تلتبس فيه الحقائق والاتجاهات والغايات. .
إن الله الذي خلق الإنسان وفطرته ; وخلق الكون ونواميسه ; هو الذي وضع للإنسان هذا المنهج ; وهو الذي رضي للمؤمنين هذا الدين. فطبيعي وبديهي أن يهديهم هذا المنهج إلى الصراط المستقيم , حيث لا يهديهم منهج غيره من صنع البشر العاجزين الجهال الفانين!
وصدق الله العظيم. الغني عن العالمين. الذي لا يناله من هداهم أو ضلالهم شيء ولكنه بهم رحيم!
ذلك هو الصراط المستقيم. فأما القول بأن الله هو المسيح بن مريم فهو الكفر ; وأما القول بأن اليهود والنصارى هم أبناء الله وأحباؤه , فهو الافتراء الذي لا يستند إلى دليل. . وهذا وذلك من مقولات أهل الكتاب , التي تخفي نصاعة التوحيد ; والتي جاءهم الرسول الأخير ليكشف عن الحقيقة فيها , ويرد الشاردين المنحرفين عن هذه الحقيقة إليها:
(لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. قل: فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ? ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما , يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير) . .
إن الذي جاء به عيسى - عليه السلام - من عند ربه هو التوحيد الذي جاء به كل رسول.
والإقرار بالعبودية الخالصة لله شأن كل رسول. . ولكن هذه العقيدة الناصعة أدخلت عليها التحريفات ; بسبب دخول الوثنيين في النصرانية ; وحرصهم على رواسب الوثنية التي جاءوا بها ومزجها بعقيدة التوحيد , حتى لم يعد هناك إمكان لفصلها وفرزها وتنقية جوهر العقيدة منها.