ولم يعترف المصريون بقرار هذا المجمع. ووقعت بين المذهب المصري"المنوفيسية"والمذهب"الملوكاني"الذي تبنته الدولة الإمبراطورية ما وقع من الخلافات الدامية , التي سبق أن أثبتنا فيها مقالة:"سير. ت. و. أرنولد"في كتابه"الدعوة إلى الإسلام"في مطالع تفسير سورة آل عمران. .
ونكتفي بهذا القدر في تصوير مجمل التصورات المنحرفة حول ألوهية المسيح ; والخلافات الدامية والعداوة والبغضاء التي ثارت بسببها بين الطوائف , وما تزال إلى اليوم ثائرة. .
وتجيء الرسالة الأخيرة لتقرر وجه الحق في هذا القضية ; ولتقول كلمة الفصل ; ويجيء الرسول الأخير ليبين لأهل الكتاب حقيقة العقيدة الصحيحة:
لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. . (لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة) . .
[كما سيجيء في السورة] .
ويثير فيهم منطق العقل والفطرة والواقع:
(قل: فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم , وأمه , ومن في الأرض جميعا ?.
فيفرق تفرقة مطلقة بين ذات الله سبحانه وطبيعته ومشيئته وسلطانه , وبين ذات عيسى - عليه السلام - وذات أمه , وكل ذات أخرى , في نصاعة قاطعة حاسمة. فذات الله - سبحانه - واحدة. ومشيئته طليقة , وسلطانه متفرد , ولا يملك أحد شيئا في رد مشيئته أو دفع سلطانه إن أراد أن يهلك المسيح أبن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا. .
وهو - سبحانه - مالك كل شيء , وخالق كل شيء , والخالق غير المخلوق. وكل شيء مخلوق:
(ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما , يخلق ما يشاء , والله على كل شيء قدير) . .
وكذلك تتجلى نصاعة العقيدة الإسلامية , ووضوحها وبساطتها. . وتزيد جلاء أمام ذلك الركام من الانحرافات والتصورات والأساطير والوثنيات المتلبسة بعقائد فريق من أهل الكتاب وتبرز الخاصية الأولى للعقيدة الإسلامية. في تقرير حقيقة الألوهية , وحقيقة العبودية , والفصل التام الحاسم بين الحقيقتين. بلا غبش ولا شبهة ولا غموض. .
واليهود والنصارى يقولون: إنهم أبناء الله وأحباؤه:
(وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه) . .
فزعموا لله - سبحانه - أبوة , على تصور من التصورات , إلا تكن أبوة الجسد فهي أبوة الروح. وهي أيا كانت تلقي ظلا على عقيدة التوحيد ; وعلى الفصل الحاسم بين الألوهية والعبودية. هذا الفصل الذي لا يستقيم التصور , ولا تستقيم الحياة , إلا بتقريره. كي تتوحد الجهة التي يتوجه إليها العباد كلهم بالعبودية ; وتتوحد الجهة التي تشرع للناس ; وتضع لهم القيم والموازين والشرائع ; والقوانين , والنظم والأوضاع , دون أن تتداخل الاختصاصات , بتداخل الصفات والخصائص , وتداخل الألوهية والعبودية