آمنتم به فقد اهتدوا , وإن تولوا فإنما هم في شقاق , فسيكفيكهم اللّه , وهو السميع العليم). . . [البقرة:136 - 137] .
(قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئًا , ولا يتخذ بعضنا بعضًا أرباباًَ من دون اللّه. فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون) . . . [آل عمران:64] .
(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق , فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللّه بأمره , إن اللّه على كل شيء قدير) . . . [البقرة:109] .
ثم أتى اللّه بأمره الذي وكل المؤمنين إليه ; فوقعت أحداث , وتعدلت أحكام , وجرى المنهج الحركي الواقعي الإيجابي في طريقه حتى كانت هذه الأحكام النهائية الأخيرة , في هذه السورة , على النحو الذي رأينا. . .
إنه لم يتغير شيء في نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما عليه أهل الكتاب من فساد العقيدة ; ومن الشرك باللّه والكفر بآياته. . إنما الذي تغير هو قاعدة التعامل. . وهذه إنما تحكمها تلك الأصول التي أسلفنا الحديث عنها في مطلع هذا الفصل التمهيدي لهذا المقطع من سياق السورة , في هذه الفقرات:
"وهذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته , إلا بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج اللّه ومناهج الجاهلية من ناحية. ثم لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي ومراحله المتعددة , ووسائله المتجددة , المكافئة للواقع البشري المتغير , من الناحية الأخرى. . . الخ".
والآن نأخذ في شيء من استعراض طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم سواء من الناحية الموضوعية الثابتة , أو من ناحية المواقف التاريخية الواقعة. . . فهذه هي العناصر الرئيسية التي انتهت إلى هذه الأحكام النهائية.
إن طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم يجب البحث عنها اولًا: في تقريرات اللّه - سبحانه - عنها , باعتبار أن هذه هي الحقيقة النهائية
التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ; وباعتبار أن هذه التقريرات - بسبب كونها ربانية - لا تتعرض لمثل ما تتعرض له الاستنباطات والاستدلالات البشرية من الأخطاء. .
وثانيًا: في المواقف التاريخية المصدقة لتقريرات اللّه سبحانه!
إن اللّه سبحانه يقرر طبيعة موقف أهل الكتاب من المسلمين في عدة مواضع من كتابه الكريم. . وهو تارة يتحدث عنهم - سبحانه - وحدهم , وتارة يتحدث عنهم مع الذين كفروا من المشركين ; باعتبار أن هنالك وحدة هدف - تجاه الإسلام والمسلمين - تجمع الذين كفروا من أهل الكتاب والذين كفروا من المشركين. وتارة يتحدث عن مواقف واقعية لهم تكشف عن وحدة الهدف ووحدة التجمع الحركي لمواجهة