فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 1045

مشورة ولا رأي ; إنما هي تفرض عليه فرضا سواء أحب أم كره! فإذا تعلق مصيره في الدنيا والآخرة معا - أو حتى في الدنيا وحدها - بمثل هذه المقومات التي تفرض عليه فرضا لم يكن مختارا ولا مريدا ; وبذلك تسلب إنسانيته مقوما من أخص مقوماتها ; وتهدر قاعدة أساسية من قواعد تكريم الإنسان ; بل من قواعد تركيبه وتكوينه الإنساني المميز له من سائر الخلائق!

ومن أجل المحافظة على خصائص الإنسان الذاتية , والمحافظة على الكرامة التي وهبها الله له متمشية مع تلك الخصائص ; يجعل الإسلام العقيدة - التي يملك كل فرد اختيارها بشخصه منذ أن يبلغ سن الرشد - هي الآصرة التي يقوم عليها التجمع الإنساني في المجتمع الإسلامي ; والتي يتقرر على أساسها مصير كل فرد بإرادته الذاتية. وينفي أن تكون تلك العوامل الاضطرارية , التي لا يد له فيها , ولا يملك كذلك تغييرها باختياره , هي آصرة التجمع التي تقرر مصيره طول حياته.

ومن شأن قيام المجتمع على آصرة العقيدة - وعدم قيامه على العوامل الاضطرارية الأخرى - أن ينشئ مجتمعا إنسانيا عالميا مفتوحا ; يجيء إليه الأفراد من شتى الأجناس والألوان واللغات والأقوام والدماء والأنساب والديار والأوطان بكامل حريتهم واختيارهم الذاتي ; لا يصدهم عنه صاد , ولا يقوم في وجوههم حاجز , ولا تقف دونه حدود مصطنعة , خارجة عن خصائص الإنسان العليا. وأن تصب في هذا المجتمع كل الطاقات والخواص البشرية , وتجتمع في صعيد واحد , لتنشى ء"حضارة إنسانية"تنتفع بكل خصائص الأجناس البشرية ; ولا تغلق دون كفاية واحدة , بسبب من اللون أو العنصر أو النسب والأرض. . .

"ولقد كان من النتائج الواقعية الباهرة للمنهج الإسلامي في هذه القضية ; ولإقامة التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها , دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة , والحدود الإقليمية السخيفة! ولإبراز"خصائص الإنسان"في هذا التجمع وتنميتها وإعلائها , دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان. . كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعا مفتوحا لجميع الأجناس والألوان واللغات , بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة! وأن صبت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاياتها , وانصهرت في هذه البوتقة وتمازجت , وأنشأت مركبا عضويا فائقا في فترة تعد نسبيا قصيرة. وصنعت هذه الكتلة العجيبة المتجانسة المتناسقة حضارة رائعة ضخمة , تحوي خلاصة الطاقة البشرية في زمانها مجتمعة , على بعد المسافات وبطء طرق الاتصال في ذلك الزمان."

"لقد اجتمع في المجتمع الإسلامي المتفوق: العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصينيوالهندي والروماني والإغريقي والأندونيسي والإفريقي. . . إلى آخر الأقوام والأجناس. . . وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت