فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 1045

إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة. . إن الجاهلية تملك قواها. . ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله. والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية - حينما يشاء وكيفما يشاء - وأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب!

وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده الله. . ولقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ; قبل أن يأتي الأجل الذي قدره الله. ولم تكن حصيلة هذه الفترة الطويلة إلا اثني عشر مسلما. . ولكن هذه الحفنة من البشر كانت في ميزان الله تساوي تسخير تلك القوى الهائلة , والتدمير على البشرية الضالة جميعا , وتوريث الأرض لتلك الحفنة الطيبة تعمرها من جديد وتستخلف فيها. .

إن عصر الخوارق لم يمض! فالخوارق تتم في كل لحظة - وفق مشيئة الله الطليقة - ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطا أخرى , تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها. وقد تدق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها ; ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائما , ويلابسون آثارها المبدعة.

والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملا , بكل ما في طاقتهم من جهد ; ثم يدعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة. وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح: (فدعا ربه أني مغلوب , فانتصر) . . ثم ينتظروا فرج الله القريب. وانتظار الفرج من الله عبادة ; فهم على هذا الانتظار مأجورون.

ومرة أخرى نجد أن هذا القرآن لا يكشف عن أسراره إلا للذين يخوضون به المعركة ويجاهدون به جهادا كبيرا. . إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن ; ومن ثم يتذوقونه ويدركونه ; لأنهم يجدون أنفسهم مخاطبين خطابا مباشرا به , كما خوطبت به الجماعة المسلمة الأولى , فتذوقته وأدركته وتحركت به. .

.والحمد لله في الأولى والآخرة. .

المفاصلة نصوص هذا الدرس كله نؤيد ما ذهبنا إليه في تقديم السورة , من أن هذه السورة لم تنزل كلها بعد سورة الفتح التي نزلت في الحديبية في العام السادس الهجري ; وأن مقاطع كثيرة فيها يرجح أن تكون قد نزلت قبل ذلك ; وقبل إجلاء بني قريظة في العاممن يشاء. وأن موالاة غير الجماعة المسلمة معناه الارتداد عن دين الله , والنكول عن هذا الاختيار العظيم والتخلي عن هذا التفضل الجميل. .

وهذا التوجه واضح في النصوص الكثيرة في هذا الدرس: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. . بعضهم أولياء بعض. . ومن يتولهم منكم فإنه منهم. . إن الله لا يهدي القوم الظالمين) . . (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين. يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. . ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله واسع عليم) . . (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا , والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت