لقد كان اليهود هم الذين يتولون المشركين ; ويؤلبونهم على المسلمين , (ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا) . . كما حكى عنهم القرآن الكريم. وقد تجلى هذا كله على أتمه في غزوة الأحزاب , ومن قبلها ومن بعدها كذلك ; إلى اللحظة الحاضرة. . وما قامت إسرائيل في أرض فلسطين أخيرا إلا بالولاء والتعاون مع الكافرين الجدد من الماديين الملحدين!
فأما الفريق الآخر من أهل الكتاب , فهو يتعاون مع المادية الإلحادية كلما كان الأمر أمر المسلمين! وهم يتعاونون مع الوثنية المشركة كذلك , كلما كانت المعركة مع المسلمين! حتى و"المسلمون"لا يمثلون الإسلام في شيء. إلا في أنهم من ذراري قوم كانوا مسلمين! ولكنها الإحنة التي لا تهدأ على هذا الدين ; ومن ينتمون إليه , ولو كانوا في انتمائهم مدعين!
وصدق الله العظيم: (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا) . .
(لبئس ما قدمت لهم أنفسهم: أن سخط الله عليهم , وفي العذاب هم خالدون) . .
فهذه هي الحصيلة التي قدمتها لهم أنفسهم. . إنها سخط الله عليهم. وخلودهم في العذاب. فما أبأسها من حصيلة! وما أبأسها من تقدمة تقدمها لهم أنفسهم ; ويا لها من ثمرة مرة. ثمرة توليهم للكافرين!
فمن منا يسمع قول الله سبحانه عن القوم ? فلا يتخذ من عند نفسه مقررات لم يأذن بها الله: في الولاء والتناصر بين أهل هذا الدين ; وأعدائه الذين يتولون الكافرين!
وما الدافع ? ما دافع القوم لتولي الذين كفروا ? إنه عدم الإيمان بالله والنبي:
(ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء. ولكن كثيرا منهم فاسقون) . .
هذه هي العلة. . إنهم لم يؤمنوا بالله والنبي. . إن كثرتهم فاسقة. . إنهم يتجانسون - إذن - مع الذين كفروا في الشعور والوجهة ; فلا جرم يتولون الذين كفروا ولا يتولون المؤمنين. .
وتبرز لنا من هذا التعقيب القرآني ثلاث حقائق بارزة:
الحقيقة الأولى: أن أهل الكتاب جميعا - إلا القلة التي آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم غير مؤمنين بالله. لأنهم لم يؤمنوا برسوله الأخير. ولم ينف القرآن الكريم عنهم الإيمان بالنبي وحده. بل نفى عنهم الإيمان بالله كذلك. (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) وهو تقرير من الله - سبحانه - لا يقبل التأويل. مهما تكن دعواهم في الإيمان بالله. . وبخاصة إذا اعتبرنا ما هم عليه من انحراف التصور للحقيقة الإلهية كما سلف في آيات هذا الدرس وفي غيرها من آيات القرآن الكريم.
والحقيقة الثانية: أن أهل الكتاب جميعا مدعوون إلى الدخول في دين الله , على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فإن استجابوا فقد أمنوا , وأصبحوا على دين الله. وإن تولوا فهم كما وصفهم الله
والحقيقة الثالثة: أنه لا ولاء ولا تناصر بينهم وبين المسلمين , في شأن من الشئون. لأن كل شأن من شئون الحياة عند المسلم خاضع لأمر الدين.