فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 1045

للأرض في التصور الإسلامي إنما هي مستمدة من سيادة منهج الله وسلطانه فيها، وبهذا تكون محضن العقيدة وحقل المنهج و"دار الإسلام"ونقطة الانطلاق لتحرير"الإنسان".

وحقيقة إن حماية"دار الإسلام"حماية للعقيدة والمنهج والمجتمع الذي يسود فيه المنهج. ولكنها ليست الهدف النهائي، وليست حمايتها هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي، إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها وإلى النوع الإنساني بجملته. فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين والأرض هي مجاله الكبير!

وكما أسلفنا فإن الانطلاق بالمذهب الإلهي تقوم في وجهه عقبات مادية من سلطة الدولة، ونظام المجتمع، وأوضاع البيئة .. وهذه كلها هي التي ينطلق الإسلام ليحطمها بالقوة، كي يخلو له وجه الأفراد من الناس، يخاطب ضمائرهم وأفكارهم، بعد أن يحررها من الأغلال المادية، ويترك لها بعد ذلك حرية الاختيار.

يجب ألا تخدعنا أو تفزعنا حملات المستشرقين على مبدأ"الجهاد"وألا يثقل على عاتقنا ضغط الواقع وثقله في ميزان القوى العالمية، فنروح نبحث للجهاد الإسلامي عن مبررات أدبية خارجة عن طبيعة هذا الدين، في ملابسات دفاعية وقتية، كان الجهاد سينطلق في طريقه سواء وجدت أم لم توجد!

ويجب ونحن نستعرض الواقع التاريخي ألا نغفل عن الاعتبارات الذاتية في طبيعة هذا الدين وإعلانه العام ومنهجه الواقعي، وألا نخلط بينها وبين المقتضيات الدفاعية الوقتية ..

حقًا إنه لم يكن بد لهذا الدين أن يدافع المهاجمين له، لأن مجرد وجوده في صورة إعلان عام لربوبية الله للعالمين، وتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، وتمثل هذا الوجود في تجمع تنظيمي حركي تحت قيادة جديدة غير قيادات الجاهلية، وميلاد مجتمع مستقل متميز لا يعترف لأحد من البشر بالحاكمية، لأن الحاكمية فيه لله وحده .. إن مجرد وجود هذا الدين في هذه الصورة لا بد أن يدفع المجتمعات الجاهلية من حوله - القائمة على قاعدة العبودية للعباد - أن تحاول سحقه، دفاعًا عن وجودها ذاته، ولا بد أن يتحرك المجتمع الجديد للدفاع عن نفسه ..

هذه ملابسة لا بد منها، تولد مع ميلاد الإسلام ذاته، وهذه معركة مفروضة على الإسلام فرضًا، ولا خيار له في خوضها، وهذا صراع طبيعي بين وجودين لا يمكن التعايش بينهما طويلًا .. .

هذا كله حق .. ووفق هذه النظرة يكون لا بد للإسلام أن يدافع عن وجوده، ولا بد أن يخوض معركة دفاعية مفروضة عليه فرضًا ..

ولكن هناك حقيقة أخرى أشد أصالة من هذه الحقيقة .. إن من طبيعة الوجود الإسلامي ذاته أن يتحرك إلى الأمام ابتداء. لإنقاذ"الإنسان"في"الأرض"من العبودية لغير الله، ولا يمكن أن يقف عند حدود جغرافية، ولا أن ينزوي داخل حدود عنصرية، تاركًا"الإنسان".. نوع الإنسان .. في"الأرض".. كل الأرض .. للشر والفساد والعبودية لغير الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت