فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 1045

وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات , ويغلقون عليهم الأبواب , فتفتحها التتار , إما بالكسر وإما بالنار , ثم يدخلون عليهم , فيهربون منهم إلى أعالى الأمكنة , فيقتلونهم بالأسطحة , حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة - فإنا لله وإنا إليه راجعون - كذلك في المساجد والجوامع والربط. ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم , وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي , وطائفة من التجار أخذوا أمانا بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم. وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب , ليس فيها إلا القليل من الناس , بوقوعه: وهم في خوف وجوع وذلة وقلة. .

"وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة. فقيل ثمانمائة ألف. وقيل: ألف ألف. وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس - فإنا لله وإنا إليه راجعون , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. - وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم. وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما. . وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر , وعفى قبره , وكان عمره يومئذ ستا وأربعين سنة وأربعة أشهر. ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام. وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد , وله خمس وعشرون سنة. ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبدالرحمان وله ثلاث وعشرون سنة , وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم. ."

"وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي , وكان عدو الوزير ;وقتل أولاده الثلاثة: عبدالله وعبدالرحمن وعبدالكريم , وأكابر الدولة واحدا بعد واحد. منهم الدويدار الصغير مجاهد الدين أيبك , وشهاب الدين سليمان شاه , وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد. . وكان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس , فيخرج بأولاده ونسائه , فيذهب إلى مقبرة الخلال , تجاه المنظرة , فيذبح كما تذبح الشاة , ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه. . وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين علي ابن النيار. وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن. وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد. ."

"ولما انقضى الأمر المقدر , وانقضت الأربعون يوما , بقيت بغداد خاوية على عروشها , ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس , والقتلى في الطرقات كأنها التلول , وقد سقط عليهم المطر , فتغيرت صورهم , وأنتنت من جيفهم البلد , وتغير الهواء , فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام , فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح , فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ."

"ولما نودي ببغداد بالأمان , خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم ; وقد أنكر بعضهم بعضا , فلا يعرف الوالد ولده , ولا الأخ أخاه , وأخذهم الوباء الشديد. فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى. ."الخ الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت