قاتلوهم يجعلكم الله ستار قدرته , وأداة مشيئته , فيعذبهم بأيديكم ويخزهم بالهزيمة وهم يتخايلون بالقوة , وينصركم عليهم ويشف صدور جماعة من المؤمنين ممن آذاهم وشردهم المشركون. يشفها من غيظها المكظوم , بانتصار الحق كاملا , وهزيمة الباطل , وتشريد المبطلين. .
وليس هذا وحده ولكن خيرا آخر ينتظر وثوابا آخر ينال:
(ويتوب الله على من يشاء) . .
فانتصار المسلمين قد يرد بعض المشركين إلى الإيمان , ويفتح بصيرتهم على الهدى حين يرون المسلمين ينصرون , ويحسون أن قوة غير قوة البشر تؤيدهم , ويرون آثار الإيمان في مواقفهم - وهذا ما كان فعلا - وعندئذ ينال المسلمون المجاهدون أجر جهادهم , وأجر هداية الضالين بأيديهم ; وينال الإسلام قوة جديدة تضاف إلى قوته بهؤلاء المهتدين التائبين:
(والله عليم حكيم) .
عليم بالعواقب المخبوءة وراء المقدمات. حكيم يقدر نتائج الأعمال والحركات.
إن بروز قوة الإسلام وتقريرها ليستهوي قلوبا كثيرة تصد عن الإسلام الضعيف , أو الإسلام المجهول القوة والنفوذ. وإن الدعوة إلى الإسلام لتختصر نصف الطريق حين تكون الجماعة المسلمة بادية القوة , مرهوبة الجانب , عزيزة الجناب.
على أن الله سبحانه وهو يربي الجماعة المسلمة بالمنهج القرآني الفريد لم يكن يعدها وهي في مكة قلة قليلة مستضعفة مطاردة , إلا وعدا واحدا: هو الجنة. ولم يكن يأمرها إلا أمرا واحدا: هو الصبر. . فلما أن صبرت وطلبت الجنة وحدها دون الغلب , آتاها الله النصر ; وجعل يحرضها عليه ويشفي صدورها به. ذلك أن الغلب والنصر عندئذ لم يكن لها ولكن لدينه وكلمته. وإن هي إلا ستار لقدرته. .
ثم إنه لم يكن بد أن يجاهد المسلمون المشركين كافة , وأن تنبذ عهود المشركين كافة ; وأن يقف المسلمون إزاءهم صفا. . لم يكن بد من ذلك لكشف النوايا و الخبايا , ولإزالة الأستار التي يقف خلفها من لم يتجرد للعقيدة , والأعذار التي يحتج بها من يتعاملون مع المشركين للكسب , ومن يوادونهم لآصرة من قربى أو مصلحة. . لم يكن بد من إزالة هذه الأستار والمعاذير , وإعلان المفاصلة للجميع , لينكشف الذين يخبئون في قلوبهم خبيئة , ويتخذون من دون الله ورسوله والمؤمنين وليجة , يلجون منها إلى مصالحهم وروابطهم مع المشركين , في ظل العلاقات غير المتميزة أو الواضحة بين المعسكرات المختلفة: (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة , والله خبير بما تعملون) .
لقد كان في المجتمع المسلم - كما هو الحال عادة - فئة تجيد المداورة , وتنفذ من الأسوار. وتتقن استخدام الأعذار. وتدور من خلف الجماعة , وتتصل بخصومها استجلابا للمصلحة ولو على حساب