فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 1045

الأرض , التي تشتجر فيها الأطماع ; وتتعارض فيها المصالح ; وتختلف فيها الاتجاهات وتتضارب فيها المنافع!

ووراء هذا كله تلك القاعدة العامة. . حاجة العقيدة إلى الدفع عنها: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) . .

والصوامع أماكن العبادة المنعزلة للرهبان , والبيع للنصارى عامة وهي أوسع من الصوامع , والصلوات أماكن العبادة لليهود. والمساجد أماكن العبادة للمسلمين.

وهي كلها معرضة للهدم - على قداستها وتخصيصها لعبادة الله - لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها , ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض. أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها , ويعتدون على أهلها. فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول. ولا يكفي الحق أنه الحق ليقف عدوان الباطل عليه , بل لا بد من القوة تحميه وتدفع عنه. وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان!

ولا بد من وقفة أمام هذه النصوص القليلة الكلمات العميقة الدلالة , وما وراءها من أسرار في عالم النفس وعالم الحياة.

إن الله يبدأ الإذن بالقتال للذين قاتلهم المشركون , واعتدى عليهم المبطلون , بأن الله يدافع عن الذين آمنوا , وأنه يكره المعتدين عليهم من الكفار الخائنين:

(إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور) . .

فقد ضمن للمؤمنين إذن أنه هو تعالى يدافع عنهم. ومن يدافع الله عنه فهو ممنوع حتما من عدوه , ظاهر حتما على عدوه. . ففيم إذن يأذن لهم بالقتال ? وفيم إذن يكتب عليهم الجهاد ? وفيم إذن يقاتلون فيصيبهم القتل والجرح , والجهد والمشقة , والتضحية والآلام. . . والعاقبة معروفة , والله قادر على تحقيق العاقبة لهم بلا جهد ولا مشقة , ولا تضحية ولا ألم , ولا قتل ولا قتال ?

والجواب أن حكمة الله في هذا هي العليا , وأن لله الحجة البالغة. . والذي ندركه نحن البشر من تلك الحكمة ويظهر لعقولنا ومداركنا من تجاربنا ومعارفنا أن الله سبحانه لم يرد أن يكون حملة دعوته وحماتها من"التنابلة"الكسالى , الذين يجلسون في استرخاء , ثم يتنزل عليهم نصره سهلا هينا بلا عناء , لمجرد أنهم يقيمون الصلاة ويرتلون القرآن ويتوجهون إلى الله بالدعاء , كلما مسهم الأذى ووقع عليهم الاعتداء!

نعم إنهم يجب أن يقيموا الصلاة , وأن يرتلوا القرآن , وأن يتوجهوا إلى الله بالدعاء في السراء والضراء. ولكن هذه العبادة وحدها لا تؤهلهم لحمل دعوة الله وحمايتها ; إنما هي الزاد الذي يتزودونه للمعركة. والذخيرة التي يدخرونها للموقعة , والسلاح الذي يطمئنون إليه وهم يواجهون الباطل بمثل سلاحه ويزيدون عنه سلاح التقوى والإيمان والاتصال بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت