يحرمون ما حرم الله ورسوله فيه زيادة للذنب في مخالفة الأعمال ثم قال: {ولا يدينون دين الحق} فيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام ثم قال: {من الذين أوتوا الكتاب} تأكيد للحجة عليهم لأنهم كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ثم قال: {حتى يعطوا الجزية} فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة انتهى قوله: {من الذين أوتوا الكتاب} بيان للموصول مع ما في خبره وهم أهل التوراة والإنجيل قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد} الجزية وزنها فعلة من جزى يجزي: إذا كافأ عما أسدي إليه فكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن وقيل: سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزون: أي يقضوه وهي في الشرع ما يعطيه المعاهد على عهده و {عن يد} في محل نصب على الحال والمعنى: عن يد مواتية غير ممتنعة وقيل معناه: يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحدا وقيل معناه: نقد غير نسيئة وقيل عن قهر وقيل معناه: عن إنعام منكم عليهم لأن أخذها منهم نوع من أنواع الإنعام عليهم وقيل معناه: مذمومون وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه والثوري وأبو ثور إلى أنها لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب وقال الأوزاعي ومالك: إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائنا من كان ويدخل في أهل الكتاب على القول الأول المجوس قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا في أن الجزية تؤخذ منهم
وقد اختلف أهل العلم في مقدار الجزية فقال عطاء: لا مقدار لها وإنما تؤخذ على ما صولحوا عليه وبه قال يحيى بن آدم وأبو عبيد وابن جرير إلا أنه قال: أقلها دينار وأكثرها لا حد له وقال الشافعي: دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء وبه قال أبو ثور قال الشافعي: وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم وقال مالك: إنه أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهما على أهل الورق الغني والفقير سواء ولو كان مجوسيا لا يزيد ولا ينقص وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: إثنا عشر وأربعة وعشرون وثمانية وأربعون والكلام في الجزية مقرر في مواطنه والحق من هذه الأقوال قد قررناه في شرحنا للمنتقي وغيره من مؤلفاتنا قوله: {وهم صاغرون} في محل نصب على الحال والصغار الذل والمعنى: إن الذمي يعطي الجزية حال كونه صاغرا قيل: وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم قاعد وبالجملة ينبغي للقابض للجزية أن يجعل المسلم لها حال قبضها صاغرا ذليلا
وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله: {إنما المشركون نجس} الآية قال: إلا أن يكون عبدا أو أحدا من أهل الذمة وقد روي مرفوعا من وجه آخر أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمكم] قال ابن كثير: تفرد به أحمد مرفوعا والموقوف أصح وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يتجرون به فلما نهوا عن أن يأتوا البيت قال المسلمون: فمن أين لنا الطعام؟