فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 1045

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه ـ عز وجل ـ: (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته لأفسده ذلك) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ـ لما سأله الإمارة ـ: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأَمَّرَنَّ على اثنين ولا تَوَلَّينَّ مال يتيم) . وروي عنه أنه قال للعباس ـ عمه ـ: (نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها) ؛ ولهذا إذا قلنا: هذا العمل أفضل، فهذا قول مطلق.

/ ثم المفضول يكون أفضل في مكانه ويكون أفضل لمن لا يصلح له الأفضل، مثال ذلك: أن قراءة القرآن أفضل من الذكر بالنص والإجماع والاعتبار.

أما النص، فقوله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الكلام بعد القرآن أربع ـ وهن من القرآن ـ: سبحان الله، والحمد صلى الله عليه وسلم، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) ، وقوله عن الله: (من شغله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) ، وقوله: (ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه) ، وقول الأعرابي له: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلمني ما يجزيني في صلاتي، فقال: (قل: سبحان الله والحمد صلى الله عليه وسلم ولا إله إلا الله والله أكبر) .

وأما الإجماع على ذلك فقد حكاه طائفة، ولا عبرة بخلاف جهال المتعبدة.

وأما الاعتبار، فإن الصلاة تجب فيها القراءة، فإن عجز عنها انتقل إلى الذكر ولا يجزيه الذكر مع القدرة على القراءة، والمبدل منه أفضل من البدل الذي لا يجوز إلا عند العجز عن المبدل.

/ وأيضًا، فالقراءة تشترط لها الطهارة الكبري كما تشترط للصلاة الطهارتان، والذكر لا يشترط له الكبري ولا الصغري، فعلم أن أعلى أنواع ذكر الله هو الصلاة، ثم القراءة، ثم الذكر المطلق، ثم الذكر في الركوع والسجود أفضل بالنص والإجماع من قراءة القرآن، وكذلك كثير من العباد قد ينتفع بالذكر في الابتداء ما لا ينتفع بالقراءة؛ إذ الذكر يعطيه إيمانًا والقرآن يعطيه العلم، وقد لا يفهمه، ويكون إلى الإيمان أحوج منه لكونه في الابتداء، والقرآن مع الفهم لأهل الإيمان أفضل بالاتفاق.

فهذا وأمثاله يشبه تنوع شرائع الأنبياء؛ فإنهم متفقون على أن الله أمر كلًا منهم بالدين الجامع، وأن نعبده بتلك الشرعة والمنهاج، كما أن الأمة الإسلامية متفقة على أن الله أمر كل مسلم من شريعة القرآن بما هو مأمور به؛ إما إيجابًا، وإما استحبابًا، وإن تنوعت الأفعال في حق أصناف الأمة فلم يختلف اعتقادهم ولا معبودهم، ولا أخطأ أحد منهم، بل كلهم متفقون على ذلك يصدق بعضهم بعضًا.

فصل

فإذًا تبين بعض معنى المؤمن والمنافق. فإذا قرأ الإنسان [سورة الأحزاب] وعرف من المنقولات في الحديث، والتفسير، والفقه، والمغازى، كيف كانت صفة الواقعة التى نزل بها القرآن، ثم اعتبر هذه الحادثة بتلك، وجد مصداق ما ذكرنا. وأن الناس انقسموا في هذه الحادثة إلى الأقسام الثلاثة. كما انقسموا في تلك. وتبين له كثير من المتشابهات.

افتتح الله السورة بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 1] ، وذكر في أثنائها قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب: 47، 48] ، ثم قال: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب: 2، 3] . فأمره باتباع ما أوحى إليه من الكتاب والحكمة ـ التى هى سنته ـ وبأن يتوكل على الله. فبالأولى يحقق قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وبالثانية يحقق قوله: {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} . ومثل ذلك قوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود: 123] ، وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى: 10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت