كقوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير} وكقوله تعالى: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا} وكما قال تعالى: {وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودًا} الاَية, ومعنى {الذين اتقوا} أي تركوا المحرمات, {والذين هم محسنون} أي فعلوا الطاعات, فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم وينصرهم ويؤيدهم ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم, وقال ابن أبي حاتم: حدثناأبي, حدثنا محمد بن بشار, حدثنا أبو أحمد الزبيري, حدثنا مسعر عن عون عن محمد بن حاطب: كان عثمان رضي الله عنه من الذين اتقوا والذين هم محسنون.
وفي الظلال:
(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة , وجادلهم بالتي هي أحسن , إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله , وهو أعلم بالمهتدين. وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به , ولئن صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله. ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا , والذين هم محسنون) . .
على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها , ويعين وسائلها وطرائقها , ويرسم المنهج للرسول الكريم , وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن.
إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله. لا لشخص الداعي ولا لقومه. فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله , لا فضل له يتحدث به , لا على الدعوة ولا على من يهتدون به , وأجره بعد ذلك على الله.
والدعوة بالحكمة , والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم , والقدر الذي يبينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها , والطريقة التي يخاطبهم بها , والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها. فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق , وتتعمق المشاعر بلطف , لا بالزجر والتأنيب في غير موجب , ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية. فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة , ويؤلف القلوب النافرة , ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ.
وبالجدل بالتي هي أحسن. بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح. حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل , ولكن الإقناع والوصول إلى الحق. فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها , وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق , حتى لا تشعر بالهزيمة. وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس , فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلا عن هيبتها واحترامها وكيانها , والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة , ويشعر المجادل أن ذاته مصونة , وقيمته كريمة , وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها , والاهتداء إليها. في سبيل الله , لا في سبيل ذاته ونصرة رأيه وهزيمة الرأي الآخر!