فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 1045

مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون, وفي الاَخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها لا محيد لكم عنها, ولا خروج لكم منها. ثم قال تعالى: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين, وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم, ساء ذلك المنافقين, وإن أصاب المسلمين سنة أي جدب أو أديل عليهم الأعداء, لما لله تعالى في ذلك من الحكمة ـ كما جرى يوم أُحد ـ فرح المنافقون بذلك, قال الله تعالى مخاطبًا للمؤمنين {وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئًا} الاَية, يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم, فلا حول ولا قوة لهم إلا به. وهو الذي ما شاء كان, وما لم يشأ لم يكن, ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته, ومن توكل عليه كفاه.

ثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين. والتمييز بين المؤمنين والمنافقين وبيان صبر الصابرين فقال تعالى:)

وفي الظلال:

إنها صورة كاملة السمات , ناطقة بدخائل النفوس , وشواهد الملامح , تسجل المشاعر الباطنة , والانفعالات الظاهرة , والحركة الذاهبة الآيبة. وتسجل بذلك كله نموذجا بشريا مكرورا في كل زمان وفي كل مكان. ونستعرضها اليوم وغدا فيمن حول الجماعة المسلمة من أعداء. يتظاهرون للمسلمين - في ساعة قوة المسلمين وغلبتهم - بالمودة. فتكذبهم كل خالجة وكل جارحة. وينخدع المسلمون بهم فيمنحونهم الود والثقة , وهم لا يريدون للمسلمين إلا الاضطراب والخبال , ولا يقصرون في اعنات المسلمين ونثر الشوك في طريقهم , والكيد لهم والدس , ما واتتهم الفرصة في ليل أو نهار.

وما من شك أن هذه الصورة التي رسمها القرآن الكريم هذا الرسم العجيب , كانت تنطبق ابتداء على أهل الكتاب المجاورين للمسلمين في المدينة ; وترسم صورة قوية للغيظ الكظيم الذي كانوا يضمرونه للإسلام والمسلمين , وللشر المبيت , وللنوايا السيئة التي تجيش في صدورهم ; في الوقت الذي كان بعض المسلمين ما يزال مخدوعا في أعداء الله هؤلاء , وما يزال يفضي إليهم بالمودة , وما يزال يأمنهم على أسرار الجماعة المسلمة ; ويتخذ منهم بطانة وأصحابا وأصدقاء , لا يخشى مغبة الإفضاء إليهم بدخائل الأسرار. . فجاء هذا التنوير وهذا التحذير , يبصر الجماعة المسلمة بحقيقة الأمر , ويوعيها لكيد أعدائها الطبيعيين , الذين لا يخلصون لها أبدا , ولا تغسل أحقادهم مودة من المسلمين وصحبة. ولم يجيء هذا التنوير وهذا التحذير ليكون مقصورا على فترة تاريخية معينة , فهو حقيقة دائمة , تواجه واقعا دائما. . كما نرى مصداق هذا فيما بين أيدينا من حاضر مكشوف مشهود. .

والمسلمون في غفلة عن أمر ربهم: ألا يتخذوا بطانة من دونهم. بطانة من ناس هم دونهم في الحقيقة والمنهج والوسيلة. وألا يجعلوهم موضع الثقة والسر والاستشارة. . المسلمون في غفلة عن أمر ربهم هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت