والنهي عن اتباع أهوائهم، أي أهواء اليهود حين حكموه طامعين أن يحكم عليهم بما تقرر من عوائدهم، مقصود منه النهي عن الحكم بغير حكم الله إذا تحاكموا إليه، إذ لا يجوز الحكم بغيره ولو كان شريعة سابقة، لأن نزول القرآن مهيمنا أبطل ما خالفه، ونزوله مصدقا أيد ما وافقه وزكى ما لم يخالفه.
والرسول لا يجوز عليه أن يحكم بغير شرع الله، فالمقصود من هذا النهي: إما إعلان ذلك ليعلمه الناس وييأس الطامعون أن يحكم لهم بما يشتهون، فخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله * ولا تتبع أهواءهم* مراد به أن يتقرر ذلك في علم الناس، مثل قوله تعالى * لئن أشركت ليحبطن عملك*. وإما تبيين الله لرسوله وجه ترجيح أحد الدليلين عند تعارض الأدلة بأن لا تكون أهواء الخصوم طرقا للترجيح، وذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام لشدة رغبته في هدى الناس قد يتوقف في فصل هذا التحكيم، لأنهم وعدوا أنه إن حكم عليهم بما تقرر من عوائدهم يؤمنون به. فقد يقال: إنهم لما تراضوا عليه لم لا يحملون عليه مع ظهور فائدة ذلك وهو دخولهم في الإسلام، فبين الله له أن أمور الشريعة لا تهاون بها، وأن مصلحة احترام الشريعة بين أهلها أرجح من مصلحة دخول فريق في الإسلام، لأن الإسلام لا يليق به أن يكون ضعيفا لمريديه، قال تعالى * يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين*.
وقوله * لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا* كالتعليل للنهي، أي إذا كانت أهواؤهم في متابعة شريعتهم أو عوائدهم فدعهم وما اعتادوه وتمسكوا بشرعكم.
والشرعة والشريعة: الماء الكثير من نهر أو واد. يقال: شريعة الفرات. وسميت الديانة شريعة على التشبيه، لأن فيها شفاء النفوس وطهارتها. والعرب تشبه بالماء وأحواله كثيرا، كما قدمناه في قوله تعالى * لعلمه الذين يستنبطونه منهم* في سورة النساء.
والمنهاج: الطريق الواسع، وهو هنا تخييل أريد به طريق القوم إلى الماء، كقول قيس بن الخطيم:
وأتبعت دلوي في السماح رشاءها
صفحة: 1149
فذكر الرشاء مجرد تخييل. ويصح أن يجعل له رديف في المشبه بأن تشبه العوائد المنتزعة من الشريعة، أو دلائل التفريع عن الشريعة، أو طرق فهمها بالمنهاج الموصل إلى الماء. فمنهاج المسلمين لا يخالف الاتصال بالإسلام، فهو كمنهاج المهتدين إلى الماء، ومنهاج غيرهم منحرف عن دينهم، كما كانت اليهود قد جعلت عوائد مخالفة لشريعتهم، فذلك كالمنهاج الموصل إلى غير المورود. وفي هذا الكلام إبهام أريد به تنبيه الفريقين إلى الفرق بين حاليهما وبالتأمل يظهر لهم.
وقوله * ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة*. الجعل: التقدير، وإلا فإن الله أمر الناس أن يكونوا أمة واحدة على دين الإسلام، ولكنه رتب نواميس وجبلات، وسبب اهتداء فريق وضلال فريق، وعلم ذلك بحسب