فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 1045

علم الله - سبحانه - أن الحكم بما أنزل ستواجهه هذه المقاومة من شتى الجبهات ; وأنه لا بد للمستحفظين عليه والشهداء أن يواجهوا هذه المقاومة ; وأن يصمدوا لها , وإن يحتملوا تكاليفها في النفس والمال. . فهو يناديهم:

(فلا تخشوا الناس واخشون) . .

فلا تقف خشيتهم للناس دون تنفيذهم لشريعة الله. سواء من الناس أولئك الطغاة الذين يأبون الاستسلام لشريعة الله , ويرفضون الإقرار - من ثم - يتفرد الله - سبحانه - بالألوهية. أو أولئك المستغلون الذين تحول شريعة الله بينهم وبين الاستغلال وقد مردوا عليه. أو تلك الجموع المضللة او المنحرفة أو المنحلة التي تستثقل أحكام شريعة الله وتشغب عليها. . لا تقف خشيتهم لهؤلاء جميعا ولغيرهم من الناس دون المضي في تحكيم شريعة الله في الحياة. فالله - وحده - هو الذي يستحق أن يخشوة. والخشية لا تكون إلا لله. .

كذلك علم الله - سبحانه - أن بعض المستحفظين على كتاب الله المستشهدين ; قد تراودهم أطماع الحياة الدنيا ; وهم يجدون أصحاب السلطان , وأصحاب المال , وأصحاب الشهوات , لا يريدون حكم الله فيملقون شهوات هؤلاء جميعا , طمعا في عرض الحياة الدنيا - كما يقع من رجال الدين المحترفين في كل زمان وفي كل قبيل ; وكما كان ذلك واقعا في علماء بني إسرائيل.

فناداهم الله:

(ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلًا) . .

وذلك لقاء السكوت , أو لقاء التحريف , أو لقاء الفتاوي المدخولة!

وكل ثمن هو في حقيقته قليل. ولو كان ملك الحياة الدنيا. . فكيف وهو لا يزيد على أن يكون رواتب ووظائف وألقابا ومصالح صغيرة ; يباع بها الدين , وتشترى بها جهنم عن يقين ?!

إنه ليس أشنع من خيانة المستأمن ; وليس أبشع من تفريط المستحفظ ; وليس أخس من تدليس المستشهد. والذين يحملون عنوان:"رجال الدين"يخونون ويفرطون ويدلسون , فيسكتون عن العمل لتحكيم ما أنزل الله , ويحرفون الكلم عن مواضعه , لموافأة أهواء ذوي السلطان على حساب كتاب الله. .

(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . .

بهذا الحسم الصارم الجازم. وبهذا التعميم الذي تحمله (من) الشرطية وجملة الجواب. بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان , وينطلق حكما عاما , على كل من لم يحكم بما أنزل الله , في أي جيل , ومن أي قبيل. .

والعلة هي التي أسلفنا. . هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله , إنما يرفض ألوهية الله. فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية. ومن يحكم بغير ما أنزل الله , يرفض ألوهية الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت