الربانيون والأحبار, فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم, واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقًا ولا يقرب أجلًا, وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون, أنبأنا شريك عن أبي إسحاق عن المنذر بن جرير, عن أبيه, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع, ولم يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب» تفرد به أحمد من هذاالوجه, ورواه أبو داود عن مسدد, عن أبي الأحوص, عن أبي إسحاق, عن المنذر بن جرير, عن جرير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه, فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا» وقد رواه ابن ماجه عن علي بن محمد, عن وكيع عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن عبيد الله بن جرير, عن أبيه به, قال الحافظ المزي: وهكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق به.
وفي الظلال:
(قل: يا أهل الكتاب , هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله , وما أنزل إلينا , وما أنزل من قبل , وأن أكثركم فاسقون ? قل: هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ? من لعنه الله , وغضب عليه , وجعل منهم القردة والخنازير , وعبد الطاغوت. . أولئك شر مكانا , وأضل عن سواء السبيل) .
إن هذا السؤال الذي وجه الله رسوله إلى توجيهه لأهل الكتاب , هو من ناحية سؤال تقريري لإثبات ما هو واقع بالفعل منهم ; وكشف حقيقة البواعث التي تدفع بهم إلى موقفهم من الجماعة المسلمة ودينها وصلاتها.
وهو من ناحية سؤال استنكاري , لاستنكار هذا الواقع منهم , واستنكار البواعث الدافعة عليه. . وهو في الوقت ذاته توعية للمسلمين , وتنفير لهم من موالاة القوم , وتقرير لما سبق في النداءات الثلاثة من نهي عن هذه الموالاة وتحذير.
إن أهل الكتاب لم يكونوا ينقمون على المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهم لا ينقمون اليوم على طلائع البعث الإسلامي - إلا أن هؤلاء المسلمين يؤمنون بالله ; وما أنزله الله إليهم من قرآن ; وما صدق عليه قرآنهم مما أنزله الله من قبل من كتب أهل الكتاب. .
إنهم يعادون المسلمين لأنهم مسلمون! لأنهم ليسوا يهودا ولا نصارى. ولأن أهل الكتاب فاسقون منحرفون عما أنزله الله إليهم ; وآية فسقهم وانحرافهم أنهم لا يؤمنون بالرسالة الأخيرة وهي مصدقة لما بين أيديهم - لا ما ابتدعوه وحرفوه - ولا يؤمنون بالرسول الأخير , وهو مصدق لما بين يديه ; معظم لرسل الله أجمعين.