لِلْقَمَرِ فَقَدْ كَفَرَ. وَمَنْ أَتَى بِفِعْلٍ صَرِيحٍ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بِالْإِسْلَامِ , فَقَدْ كَفَرَ. قَالَ بِهَذَا الْحَنَفِيَّةُ وَدَلِيلُهُمْ قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلَتْهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} .
الرِّدَّةُ لِتَرْكِ الصَّلَاةِ:
21 -لَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاحِدًا لَهَا يَكُونُ مُرْتَدًّا , وَكَذَا الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ ; لِأَنَّهَا مِنْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ كَسَلًا فَفِي حُكْمِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: يُقْتَلُ رِدَّةً , وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ , وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , وَأَبِي عَمْرٍو , وَالْأَوْزَاعِيِّ , وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ , وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ , وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ , وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ , وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ , وَحَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ , وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , وَأَبِي هُرَيْرَةَ , وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا , وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ , وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ كَسَلًا يَكُونُ فَاسِقًا وَيُحْبَسُ حَتَّى يُصَلِّيَ , وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
جِنَايَاتُ الْمُرْتَدِّ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ:
22 -جِنَايَاتُ الْمُرْتَدِّ عَلَى غَيْرِهِ لَا تَخْلُو: إمَّا أَنْ تَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً , وَكُلٌّ مِنْهَا , إمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى مُسْلِمٍ , أَوْ ذِمِّيٍّ , أَوْ مُسْتَامَنٍ , أَوْ مُرْتَدٍّ مِثْلِهِ. وَهَذِهِ الْجِنَايَاتُ إمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى النَّفْسِ بِالْقَتْلِ , أَوْ عَلَى مَا دُونَهَا , كَالْقَطْعِ وَالْجُرْحِ , أَوْ عَلَى الْعِرْضِ كَالزِّنَى وَالْقَذْفِ , أَوْ عَلَى الْمَالِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ. وَهَذِهِ الْجِنَايَاتُ قَدْ تَقَعُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ , ثُمَّ يَهْرُبُ الْمُرْتَدُّ إلَى بِلَادِ الْحَرْبِ , أَوْ لَا يَهْرُبُ , أَوْ تَقَعُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ , ثُمَّ يَنْتَقِلُ الْمُرْتَدُّ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ تَقَعُ مِنْهُ هَذِهِ كُلُّهَا فِي إسْلَامِهِ , أَوْ رِدَّتِهِ , وَقَدْ يَسْتَمِرُّ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ يَعُودُ مُسْلِمًا , وَقَدْ تَقَعُ مِنْهُ مُنْفَرِدًا , أَوْ فِي جَمَاعَةٍ , أَوْ أَهْلِ بَلَدٍ. وَمِثْلُ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ. جِنَايَةُ الْمُرْتَدِّ عَلَى النَّفْسِ: 23 - إذَا قَتَلَ مُرْتَدٌّ مُسْلِمًا عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ , اتِّفَاقًا. أَمَّا إذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَامَنًا عَمْدًا فَيُقْتَلُ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الذِّمِّيِّ , إذْ الْمُرْتَدُّ مُهْدَرُ الدَّمِ وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ , وَلَا مُنَاكَحَتُهُ , وَلَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ. وَلَا يُقْتَلُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ لِبَقَاءِ عَلَقَةِ الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى رِدَّتِهِ. وَإِذَا قَتَلَ الْمُرْتَدُّ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا خَطَأً وَجَبَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ , وَلَا تَكُونُ عَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَالدِّيَةُ يُشْتَرَطُ لَهَا عِصْمَةُ الدَّمِ لَا الْإِسْلَامُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ حَلَّ دَمُهُ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ الضَّمَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ يَاخُذُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ مِمَّنْ جَنَى فَكَمَا يَاخُذُ مَالَهُ يَغْرَمُ عَنْهُ. وَهَذَا إنْ لَمْ يَتُبْ. فَإِنْ تَابَ فَقِيلَ: فِي مَالِهِ , وَقِيلَ: عَلَى عَاقِلَتِهِ , وَقِيلَ: عَلَى الْمُسْلِمِينَ , وَقِيلَ: عَلَى مَنْ ارْتَدَّ إلَيْهِمْ.
جِنَايَةُ الْمُرْتَدِّ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ: 24