جُحَيْنَةُ , وَأَصْحَابُهُ؟ قَالَ: فَتَغَافَلْت عَنْهُ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , فَقُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , وَهَلْ كَانَ سَبِيلٌ إلَّا الْقَتْلُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَتَيْت بِهِمْ لَعَرَضْت عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ , فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا اسْتَوْدَعْتهمْ السِّجْنَ. وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيّ عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَدِمَ مَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ , أَوْ شَقِيقُ بْنُ ثَوْرٍ عَلَى عُمَرَ يُبَشِّرُهُ بِفَتْحِ تُسْتَرَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: هَلْ كَانَتْ مُغْرِبَةٌ يُخْبِرُنَا بِهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ ارْتَدَّ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ , قَالَ عُمَرُ: وَيْحَكُمْ , فَهَلَّا طَيَّنْتُمْ عَلَيْهِ بَابًا , وَفَتَحْتُمْ لَهُ كُوَّةً فَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْهَا رَغِيفًا , وَسَقَيْتُمُوهُ كُوزًا مِنْ مَاءٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ , ثُمَّ عَرَضْتُمْ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فِي الثَّالِثَةِ , فَلَعَلَّهُ أَنْ يَرْجِعَ , اللَّهُمَّ لَمْ أَحْضُرْ , وَلَمْ آمُرْ , وَلَمْ أَعْلَمْ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا: فَلِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَا سَحْنُونٌ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ رَجُلٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ رَجُلًا يَهُودِيًّا أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ , فَحَبَسَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ , فَأَتَاهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ فَرَآهُ عِنْدَهُ فَقَالَ: لَا أَنْزِلُ حَتَّى تَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَأَمَّا مَنْ ارْتَدَّ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ , فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ , وَمَالِكًا قَالَا جَمِيعًا: يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ , وَأَبُو سُلَيْمَانَ , وَأَصْحَابُهُمَا: لَا يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: فَمَرَّةً قَالَ: إنْ رَجَعَ إلَى الْكُفْرِ الَّذِي تَذَمَّمَ عَلَيْهِ , وَإِلَّا قُتِلَ , وَإِلَّا أَنْ يُسْلِمَ - وَمَرَّةً قَالَ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الرُّجُوعُ إلَى الدِّينِ الَّذِي خَرَجَ عَنْهُ , لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ السَّيْفِ - وَبِهَذَا يَقُولُ أَصْحَابُنَا؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَنَظَرْنَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يُسْتَتَابُ مَرَّةً , فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؟ فَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . وَقَالَ تَعَالَى {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} . وَقَالَ تَعَالَى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ} الْآيَةَ. فَكَانَتْ الِاسْتِتَابَةُ فِعْلَ خَيْرٍ وَدُعَاءً إلَى سَبِيلِ رَبِّنَا بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ , وَدُعَاءً إلَى الْخَيْرِ , وَأَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ , فَكَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا , وَكَانَ فَاعِلُهُ مُصْلِحًا. وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ {لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِهُدَاكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ} . قَالُوا: فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزْهَدَ فِيهِ. قَالُوا: وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ , وَعُثْمَانُ , وَابْنُ مَسْعُودٍ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ , وَعُمَرَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: لَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً غَيْرَ هَذَا أَصْلًا , فَعَارَضَهُمْ مَنْ قَالَ: لَا أَسْتَتِيبُهُ بِأَنْ قَالُوا: بِأَنَّ الدُّعَاءَ إلَى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَجِبَ مَرَّةً , أَوْ عَدَدًا مَحْدُودًا , أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ , أَوْ أَبَدًا مَا امْتَدَّ الْعُمْرُ بِلَا نِهَايَةٍ , وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ رَابِعٍ. قَالَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّهُ يَجِبُ أَبَدًا مَا امْتَدَّ بِهِ الْعُمْرُ بِلَا نِهَايَةٍ: تَرَكْتُمْ قَوْلَكُمْ وَصِرْتُمْ إلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى أَنْ يُسْتَتَابَ الْمُرْتَدُّ أَبَدًا , وَلَا يُقْتَلَ - وَهَذَا لَيْسَ هُوَ قَوْلَكُمْ , وَلَوْ كَانَ لَكُنَّا قَدْ أَبْطَلْنَاهُ آنِفًا , وَلَوْ كَانَ هَذَا أَيْضًا لَبَطَلَ الْجِهَادُ جُمْلَةً , لِأَنَّ الدُّعَاءَ كَانَ يَلْزَمُ أَبَدًا مُكَرَّرًا بِلَا نِهَايَةٍ , وَهَذَا قَوْلٌ لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ أَصْلًا , وَلَيْسَ دُعَاءُ الْمُرْتَدِّ - وَهُوَ أَحَدُ الْكُفَّارِ - بِأَوْجَبَ مِنْ دُعَاءِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ الْحَرْبِيِّينَ - فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَإِنْ قُلْتُمْ: إنَّهُ يَجِبُ عَدَدًا مُحَدَّدًا أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ: كُنْتُمْ قَائِلِينَ بِلَا دَلِيلٍ , وَهَذَا بَاطِلٌ , لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} . وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ