حج البيت العتيق، أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق، أو الربا، أو الميسر، أو الجهاد للكفار، أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام، فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله.
وقد ثبت في الصحيحين أن عمر لما ناظر أبا بكر في مانعى الزكاة قال له أبو بكر: كيف لا أقاتل من ترك الحقوق التى أوجبها الله ورسوله وإن كان قد أسلم، كالزكاة؟! وقال له: فإن الزكاة من حقها، والله لو منعونى عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق.
وقد ثبت في الصحيح من غير وجه أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج وقال فيهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم /فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد) .
وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء، وأول من قاتلهم أمير المؤمنين على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ وما زال المسلمون يقاتلون في صدر خلافة بنى أمية وبنى العباس مع الأمراء وإن كانوا ظلمة، وكان الحجاج ونوابه ممن يقاتلونهم. فكل أئمة المسلمين يأمرون بقتالهم.
والتتار وأشباههم أعظم خروجًا عن شريعة الإسلام من مانعى الزكاة والخوارج من أهل الطائف، الذين امتنعوا عن ترك الربا. فمن شك في قتالهم فهو أجهل الناس بدين الإسلام، وحيث وجب قتالهم قوتلوا، وإن كان فيهم المكره باتفاق المسلمين. كما قال العباس ـ لما أسر يوم بدر ـ: يا رسول الله، إنى خرجت مكرهًا. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: (أما ظاهرك فكان علينا، وأما سريرتك فإلى الله) .
وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تَتَرَّسُوا بمن عندهم من أسرى المسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون؛ وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم. وإن /لم يخف على المسلمين ففى جواز القتال المفضى إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء. وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإن المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قُتِلَ من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قتل وهو في الباطن لا يستحق القتل لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا. وقد ثبت في الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغزو هذا البيت جيش من الناس، فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم) . فقيل: يا رسول الله، وفيهم المكره؟ فقال: (يبعثون على نياتهم) . فإذا كان العذاب الذى ينزله الله بالجيش الذى يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره، فكيف بالعذاب الذى يعذبهم الله به أو بأيدى المؤمنين، كما قال تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى