الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ إلَى قوله تعالى {فَاسِقُونَ} . وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} إلَى قوله تعالى {وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدَّمْنَا هَذِهِ الْآيَةَ وَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ ; لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةُ الْمَعَانِي بِاَلَّتِي ذَكَرْنَا قَبْلَهَا , لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا فِي أَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - ثُمَّ نَذْكُرُ الْقَوْلَ فِيهِمَا جَمِيعًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ الْآيَاتُ فِيهَا: أَنَّهُمْ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ - وَهَذَا لَيْسَ كُفْرًا بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا قوله تعالى {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} إلَى قوله تعالى {الْفَاسِقِينَ} . وقوله تعالى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} إلَى قوله تعالى {فَاسِقُونَ} . فَإِنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى تَمَادِيهِمْ عَلَى الْكُفْرِ إلَى أَنْ مَاتُوا , وَلَكِنْ يَدُلُّ يَقِينًا عَلَى أَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ مِنْ سُخْرِيَّتِهِمْ بِاَلَّذِينَ آمَنُوا غَيْرُ مَغْفُورٍ لَهُمْ , لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا فِيمَا خَلَا , فَكَانَ مَا سَلَفَ مِنْ كُفْرِهِمْ مُوجِبًا أَنْ يُغْفَرَ لَهُمْ لَمْزُهُمْ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ , وَسُخْرِيَّتُهُمْ بِاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جَهْدَهُمْ - وَإِنْ تَابُوا مِنْ كُفْرِهِمْ - وَأَنَّهُمْ مَاتُوا عَلَى الْفِسْقِ لَا عَلَى الْكُفْرِ , بَلْ هَذَا مَعْنَى الْآيَةِ بِلَا شَكٍّ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا أَبُو أُسَامَةَ نا عُبَيْدُ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: {لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصًا يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ فَأَعْطَاهُ ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ , فَقَامَ عُمَرُ وَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا خَيَّرَنِي اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} إلَى قوله تعالى {سَبْعِينَ مَرَّةً} وَسَأَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ قَالَ: إنَّهُ مُنَافِقٌ؟ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} قَالَ مُسْلِمٌ: نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا يَحْيَى - هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ , وَزَادَ {فَتَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ}
وَقَالَ تَعَالَى {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ} إلَى قَوْلِهِ {فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا النَّظَرُ يُبَيِّنُ مُعْتَقَدَهُمْ وَإِظْهَارَهُمْ الْإِسْلَامَ تَوْبَةً تَصِحُّ بِهِ قَبُولُهُمْ عَلَى ظَاهِرِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ النَّظَرُ دَلِيلًا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ فَهُمْ كَغَيْرِهِمْ وَلَا فَرْقَ. وَقَالَ تَعَالَى {إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ} إلَى قوله تعالى {وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إسْرَارَهُمْ} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذِهِ صِفَةٌ مُجْمَلَةٌ لِمَنْ ارْتَدَّ مُعْلِنًا أَوْ مُسِرًّا , وَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى أَنَّهُ عليه السلام عَرَفَ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ مُسِرُّونَ لِلْكُفْرِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ تَعَالَى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} إلَى قوله تعالى {وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَرَاهُمْ نَبِيَّهُ - عليه السلام - وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى {وَلِتَعْرِفْنَهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} فَهَذَا كَالنَّظَرِ الْمُتَقَدِّمِ إنْ كَانَ لَحْنُ الْقَوْلِ بُرْهَانًا يَقْطَعُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ , فَإِظْهَارُهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَإِعْلَانُهُمْ الْإِسْلَامَ تَوْبَةٌ فِي الظَّاهِرِ - كَمَا قَدَّمْنَا - وَإِنْ كَانَ عليه السلام لَا يَقْطَعُ بِلَحْنِ قَوْلِهِمْ عَلَى ضَمِيرِهِمْ , فَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ يَعْرِفُهُ فِي الْأَغْلَبِ