وهو أن يكون صبارًا شكورًا فيه سماحة بالرحمة للإنسان وصبر على المكاره، وهذا ضد الذي خُلِقَ هَلُوعًا إذا مسه الشر جَزُوعًا، وإذا مسه الخير منوعا، فإن ذاك ليس فيه سماحة عند النعمة، ولا صبر عند المصيبة.
/وتمام الحديث: فأي الإسلام أفضل؟ قال: (من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده) قال: يا رسول اللّّه، أي المؤمنين أكمل إيمانًا؟ قال: (أحسنهم خُلُقًا) قال: يا رسول اللّّه، أي القتل أشرف؟ قال: (من أرِيقَ دَمُهُ، وعُقِرَ جَوَادُهُ) قال: يا رسول اللّه، فأي الجهاد أفضل؟ قال: (الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّّه) . قال: يا رسول اللّه، فأي الصدقة أفضل؟ قال: (جُهْدِ المُقِلِّ) . قال: يا رسول اللّه، فأي الصلاة أفضل؟ قال: (طول القُنُوت) . قال: يا رسول اللّه، فأي الهجرة أفضل؟ قال: (من هَجَرَ السُّوءَ) . وهذا محفوظ عن عبيد بن عمير، تارة يروى مرسلًا، وتارة يروى مسندًا، وفي رواية: أي الساعات أفضل؟ قال: (جَوْفَ الليل الغَابِر) وقوله: (أفضل الإيمان السماحة والصبر) يروى من وجه آخر عن جابر عن النبي صلىلله عليه وسلم.
وهكذا في سائر الأحاديث، إنما يفسر الإسلام بالاستسلام للّه بالقلب مع الأعمال الظاهرة، كما في الحديث المعروف الذي رواه أحمد عن بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده؛ أنه قال: واللّه يا رسول اللّه، ما أتيتك حتى حلفت عدد أصابعي هذه ألا آتيك، فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: (الإسلام) . قال: وما الإسلام؟ قال: (أن تسلم قلبك للّه وأن توجه وجهك إلى اللّه، وأن تصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، أخوان نصيران، لا يقبل اللّه من عبد أشرك بعد إسلامه) . وفي رواية قال: (أن تقول: أسلمت وجهي للّه وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وكل مسلم على مسلم مُحَرَّم) وفي لفظ تقول: (أسلمت نفسي للّه، وخليت وجهي إليه) . وروى محمد بن نصر من حديث خالد/ بن معدان عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلىلله عليه وسلم: (إن للإسلام صُوًى ومنارًا كمنار الطريق، من ذلك أن تعبد اللّه ولا تشرك به شيئًا، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسلم على بني آدم إذا لقيتهم، فإن ردوا عليك، ردت عليك وعليهم الملائكة، وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم إن سَكَتَّ عنهم، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، فمن انتقص منهن شيئًا فهو سهم في الإسلام تركه، ومن تركهن فقد نَبَذَ الإسلام وراء ظهره) .
وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} [البقرة: 208] قال مجاهد وقتادة: نزلت في المسلمين يأمرهم بالدخول في شرائع الإسلام كلها، وهذا لا ينافي قول من قال: نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب أو فيمن لم يسلم؛ لأن هؤلاء كلهم مأمورون ـ أيضًا ـ بذلك، والجمهور يقولون: {فٌي بسٌَلًم} أي: في الإسلام. وقالت طائفة: هو الطاعة، وكلاهما مأثور عن ابن عباس، وكلاهما حق، فإن الإسلام هو الطاعة كما تقدم أنه من باب الأعمال. وأما قوله: {كَآفَّةً} فقد قيل: المراد ادخلوا كلكم. وقيل: المراد به ادخلوا في الإسلام جميعه، وهذا هو الصحيح، فإن الإنسان لا يؤمر بعمل غيره، وإنما يؤمر بما يقدر عليه، وقوله: {ادْخُلُوا} خطاب لهم كلهم فقوله: {كَآفَّةً} إن أريد به مجتمعين لزم أن يترك الإنسان الإسلام